علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٦
و هذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، و هي تدل على معنى واحد، و مع هذا فإنك ترى لفظتي المزنة و الديمة و ما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، و ترى لفظ البعاق و ما جرى مجراه متروكا لا يستعمل، و إن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير سليم ...
و إذن ثبت أن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، و إنما كان ظاهرا بينا لأنه مألوف الاستعمال، و إنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، و حسنه مدرك بالسمع، و الذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ، لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف.
فما استلذه السمع منه فهو الحسن، و ما كرهه فهو القبيح، و الحسن هو الموصوف بالفصاحة، و القبيح غير موصوف بفصاحة لأنه ضدها لمكان قبحه.
و قد مثلت ذلك في المتقدم بلفظة المزنة و الديمة و لفظة البعاق، و لو كانت الفصاحة أمرا يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء، ليس منها حسن و ليس منها قبيح، و لما لم يكن كذلك علمنا أن «الفصاحة» تخص اللفظ دون المعنى.
و ليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ و المعنى؟ فإني لم أفصل بينهما و إنما خصصت اللفظ بصفة هي له، و المعنى يجيء ضمنا و تبعا».
و تدعيما لرأيه السابق في قضية الحسن و القبح في اللفظ، وردا على من ينكر ذلك و يزعم أن كل الألفاظ حسن و أن الواضع لم يضع إلا حسنا، يقول ابن الأثير [١] في موضع آخر من كتابه: «و من له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار و صوتا منكرا كصوت حمار، و أن لها في الفم أيضا حلاوة كحلاوة العسل و مرارة كمرارة الحنظل، و هي على
[١] المثل الثائر ص ٥٩.