علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٢٨
الجرجاني «٤٧١ ه»، و الزمخشري محمود بن عمر «٥٣٨ ه» و الفخر الرازي «٦٠٦ ه» استطاع السكاكي تحقيق أمرين: أحدهما أن ينفذ إلى عمل ملخص دقيق لما نثره أولئك البلاغيون في كتبهم من آراء، و كذلك لما توصل إليه هو من أفكار، و ثانيهما أن يصوغ كل ذلك في صيغ مضبوطة محكمة، مستعينا فيها بقدرته المنطقية في التعليل و التعريف و التقسيم و التفريع و التشعيب. و بهذا تحولت البلاغة في مفهومه أولا و في تلخيصه ثانيا إلى علم بأدق المعاني لكلمة علم، فهي عنده قوانين و قواعد صبت في قوالب منطقية جافة باعدت بينها و بين وظيفتها الأساسية من إمتاع النفس، و إرهاف الحس، و تنمية الذوق، و التمكين لذوي المواهب الأدبية من القدرة على الخلق و الإبداع.
و قد عرّف السكاكي علم المعاني بقوله: «إنه تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة و ما يتصل بها من الاستحسان و غيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره».
و هذا التعريف وحده نموذج لتأليف السكاكي الذي أفرغه في أسلوب علمي منطقي بعيد كل البعد عن جلاء العبارة و وضوح التأليف عند من تقدموه من البلاغيين.
فهو مثلا في هذا التعريف لا يقصد «بتراكيب الكلام» مطلق تراكيب، و إنما يقصد تراكيب البلغاء لا التراكيب الصادرة عمن لا حظ لهم من البلاغة. و هو كذلك يقصد «بخواص التراكيب» ما يسبق إلى الفهم منها عند سماعها لكونها صادرة عن البليغ، كما يقصد أيضا «بالإفادة» «الفهم» من قبل ذي الفطرة السليمة.
فالتعريف كما ترى لا يجود بمعناه في سهولة و يسر، و إنما هو بعنّي طالبه عناء شديدا حتى يصل إليه، إن وصل. و من أجل هذا كثر شراح السكاكي و ملخصو بلاغته كما سنبين فيما بعد، و كأن البلاغة عند كل من تصدى لشرح أو تلخيص ما ورد عنها في كتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي أقول كان