علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٤٣
و لو قال: «نعبدك و نستعينك» لذهبت تلك الطلاوة و زال ذلك الحسن، و هذا غير خاف على أحد من الناس فضلا عن أرباب علم البيان.
و مما ورد فيه التقديم مراعاة لنظم الكلام أيضا قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ «١»، فإن تقديم الجحيم على التصلية و إن كان فيه تقديم المفعول على الفعل إلا أنه لم يكن ههنا للاختصاص، و إنما هو للفضلية السجعية.
و لا مراء في أن هذا النظم على هذه الصورة أحسن مما لو قيل:
«خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم».
و لهذا النوع من التقديم نظائر كثيرة في القرآن منها أيضا قوله تعالى:
وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ «٢» الْقَدِيمِ، فتقديم المفعول «القمر» على الفعل هنا ليس من باب الاختصاص، و إنما هو من باب مراعاة نظم الكلام، و لو أنه قال: «و قدرنا القمر منازل» لما كان بتلك الصورة في الحسن.
و منه كذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، فالغرض البلاغي من وراء تقديم مفعول كل من الفعلين السابقين عليه هو مراعاة حسن النظم السجعي.