علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٥٨
فالقسم على أي صورة من هذه الصور فيه ضرب من التأكيد، لأن فيه إشعارا من جانب المقسم بأن ما يقسم عليه هو أمر مؤكد عنده لا شك فيه، و إلا لما أقسم عليه قاصدا متعمدا. و من أجل ذلك عدّ البلاغيون القسم من مؤكدات الخبر.
٨- «نونا التوكيد»: و هما نون التوكيد الثقيلة، أي المشددة، و نون التوكيد الخفيفة، أي غير المشددة، و هما يدخلان على المضارع بشروط و على الأمر جوازا، و قد اجتمعا في قوله على حكاية على لسان امرأة عزيز مصر في قصة يوسف: وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ.
٩- «الحروف الزائدة»: و هي «إن» المسكورة الهمزة الساكنة النون، و «أن» المفتوحة الهمزة الساكنة النون، و «ما»، و «لا»، و «من» و «الباء»، الجارتان. و ليس معنى زيادة هذه الحروف أنها قد تدخل لغير معنى البتة، بل زيادتها لضرب من التأكيد.
فمثال «إن»: «ما إن قبلت ضيما» و الأصل «ما قبلت ضيما» فدخول «إن» قد أكد معنى حرف النفي الذي قبله.
أما «أن» فتزاد توكيدا للكلام، و ذلك بعد «لما» بتشديد الميم، نحو قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً و المراد فلما جاء البشير ...
و «ما» تزاد في الكلام لمجرد التأكيد، و هذا كثير في القرآن الكريم و الشعر و سائر الكلام. و مثاله من القرآن قوله تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [١]. و أصل تركيب «فإما تثقفنّهم» «فإن ما تثقفنّهم» «فإن» حرف شرط يدل على ارتباط جملتين
[١] هذه الآية نزلت في يهود المدينة الذين تكرر منهم نقض عهودهم مع النبي. و المعنى فإما تظفرن بهم فنكل بهم تنكيلا شديدا يكون سببا في تشريد و تشتيت من يقفون خلفهم من كفار مكة.