علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ٣٩
فقال بشار: لكلّ وجه و موضع، فالقول الأول جدّ، و هذا قلته في ربابة جاريتي، و أنا لا آكل البيض من السوق، و ربابة لها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض، فهذا عندها من قولي أحسن من «قفا نبك من ذكري حبيب و منزل» عندك» [١].
و تتمثل مطابقة الكلام لمقتضى الحال أيضا فيما يتصرف فيه القائل من إيجاز و إطناب، حيث لكل من الإيجاز و الإطناب مقاماته التي تقتضيها حال السامع و مواطن القول.
فالذكي الذي تكفيه اللمحة أو الإشارة يحسن له الإيجاز، و الغبي أو المكابر يجمل عند خطابه الإطناب في القول.
فالبلاغة تقتضي استخدام أسلوب الإيجاز مع الذكي اعتمادا على سرعة فهمه و قدرته على استيعاب ما تحمله الألفاظ القليلة من المعاني الكثيرة، و كذلك الشأن بالنسبة لأسلوب الإطناب، فبلاغته تستلزم الإسهاب بالشرح و الإيضاح، إما طلبا لتمكين المخاطب من الفهم إن كان غبيا، و إما لتنزيله منزلة قصار العقول إن كان قد تجاوز الحد في المكابرة و العناد.
و تأييدا لما ذكرنا عن الإيجاز و الإطناب نورد هنا كلمتين توضح كل منهما رأي صاحبها في ذلك:
روي عن جعفر بن يحيى أنه قال مع إعجابه بالإيجاز: «متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا، و متى كانت الكناية في موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا».
و أمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا في معنى واحد، فأطال أحدهما و اختصر الآخر، فقال للمختصر- و قد نظر في كتابه-: ما
[١] كتاب الأغاني: ج ٣ ص: ٦٠.