علم المعاني - عبد العزيز عتيق - الصفحة ١٥
للفظ لا وصف قبح. فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل:
«إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البين من غير تفصيل» ثم يستطرد ابن الأثير فيقول: «و لما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة و لم يثبت عندي منها ما أعول عليه. و لكثرة ملابستي هذا الفن و معاركتي إياه انكشف لي السر فيه، و سأوضحه في كتابي هذا و أحقق القول فيه فأقول: إن الكلام الفصيح هو الظاهر البين، و أعني بالظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة، لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة. و إنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم و النثر دائرة في كلامهم، و إنما كانت مألوفة في الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، و ذلك أن أرباب النظم و النثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها و سبروا ... فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، و نفوا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن الاستعمال سبب استعمالها دون غيرها، و استعمالها دون غيرها سبب ظهورها و بيانها، فالفصيح إذن من الألفاظ هو الحسن».
«فإن قيل: من أي وجه علم أرباب النظم و النثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه، و علموا القبيح منها حتى نفوه و لم يستعملوه؟.
قلت في الجواب: إن هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها، لأن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات، فالذي يستلذه السمع منها و يميل إليه هو الحسن، و الذي يكرهه و ينفر عنه هو القبيح. ألا ترى أن السمع يستلذ صوت البلبل من الطير و صوت الشحرور و يميل إليهما، و يكره صوت الغراب و ينفر عنه، و كذلك يكره نهيق الحمار و لا يجد ذلك في صهيل الفرس؟».
«و الألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة [١] و الديمة حسنة يستلذها السمع و أن لفظة البعاق قبيحة يكرهها السمع،
[١] المزنة: السحابة ذات الماء.