الإنسان و آفاق المسؤولية - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٠
لأعماق الفضاء، وذلك كلّه بفضل الهبة الإلهية، بفضل العلم الذي صيّر الفرق واضحاً جلياً بين الإنسان من جهة وبين سائر المخلوقات من جهة أخرى.
لكن ما هي مسؤوليتنا تجاه الخالق الواهب لهذه النعمة الكبرى؟ وفي مقابل هذا العلم، وهذه النعمة يأمرنا الله عزّ وجلّ أن نخلص له العبادة، ويأمرنا بأن نعبده وحده وأن تكون عبادة الإنسان لله ناشئة من إرادته ومن قراره الشخصي بكامل حريته إذ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين (البقرة/ ٢٥٦). لأنّ الدين الذي يأمرنا الله أن نلتزم به هو الدين البعيد عن أي نوع من الإكراه أو الاضطرار، فالصلاة مثلًا خوفاً من العقاب الدنيوي، وحتى رغبة في الثواب الدنيوي غير مقبولة عند الله تعالى، إذ هو سبحانه وتعالى غني عن العباد، وفقه الصلاة الصحيحة المقبولة عند الله عزّ وجلّ كما هو في أقوال الفقهاء يتمثل في خلوص النيّة لله تعالى. وأمّا التظاهر بالعبادة رياءً ودونما إيمان أو اعتقاد، فهي ليست سوى أفعال بلا محتوى وبلا مضامين.
هنا تتضح لنا سنّة الله تعالى في هذا الكون والفكرة الأساسية التي تدور حولها هذه السنّة الإلهيّة، ألا وهي مسؤولية الإنسان تجاه خالقه وتجاه أبناء جنسه، بل وتجاه هذا الوجود بأكمله. وهنا تتجلّى عظمة الإنسان من قبل الله تعالى، وهي الكرامة التي منحها الله للإنسان حيث أكرمه بهذه المسؤولية في قبال العلم، ذلك السلطان الذي وهبه إيّاه. ففي مقابل تسخير الطبيعة للإنسان كلّف الله الإنسان مسؤولية عبادته وحده، انطلاقاً من الحرّية الذاتية