الإنسان و آفاق المسؤولية - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - الإنسان بين الشك واليقين
ولعلّ الأوّل من أسباب الشكّ هو حبّ الدنيا. فمن تعلّق قلبه بالدنيا يستحيل عليه أن يرى الآخرة، ولا نعني بحب الدنيا الأكل والشرب وغير ذلك من الأمور الطبيعية للإنسان، بل نعني به اختيار وتفضيل الدنيا على الآخرة.
والسبب الثاني لتسلّط الشك على قلب الإنسان هو الخوف من الآخرين، على اعتبار أنّ من يخاف الآخرين يخشى التفكير بطريقة مخالفة لطريقتهم، فضلًا عن التوصل إلى النتائج المغايرة لنتائجهم. ترى في الناس عادةً أنّ الأبناء يتبعون آباءهم، فابن المسلم مسلم، وابن الكافر كافر، و ... فالخوف من الآباء أو الخوف من المجتمع، أو الخوف من السلطات يكرس الفعل والتأثير في آلية الضغط ويفرض التوافق والتكيّف مع مبادئ قد لا يعترف بها الفرد الخائف بعد مجرد لحظات من التفكير الجدّي.
فإذا أراد المرء أن يصل إلى الحقيقة لابدّ له من التجرد من الخوف.
إنّ أوّل إنجاز تاريخي عظيم قام به النبي إبراهيم عليه السّلام هو أنه تحدّى جبروت السلطة الاجتماعية، وهو حينما تبرّأ من هذا الجبروت فتح المجال أمامه للانتقال من الشك إلى اليقين.
وإذا كانت قصة هذا النبي العظيم وبقية الأنبياء والرسل وقد سردت وفق أسلوب «إياك أعني وأسمعي يا جارة»، فإننا كمسلمين رساليين نرفع لواء إصلاح المجتمعات البشرية وانقاذها من فوضى الجاهلية الحديثة، نكون معنيين أكثر من غيرنا بضرورة الإفادة من هذه القصص