الإنسان و آفاق المسؤولية - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠ - الإنسان بين الأغلال وحركة التكامل
ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا). وهذا اقتراح تعجيزي، لأنهم لا خيرة لهم في الرجوع إلى الدنيا والتزود بالأعمال الصالحة. في هذه اللحظة يرتفع سور يحجر المؤمنين عن المنافقين، فينادي أهلُ الحسرة أهلَ النعيم: (أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) فبمَ تقدمتم علينا؟ ولماذا حصلتم على النور ولم نحصل عليه؟
فيأتي الجواب القارع: (بَلى وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ اْلأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ).
إذن؛ فمشكلة المنافقين بالدرجة الأُولى أنهم فتنوا أنفسهم وخدعوها من أجل الحصول على شهوة من الشهوات وبعضاً من الراحة في الدنيا، فكانوا يزينون لأنفسهم تأخير أداء الواجبات من عبادة وحقوق وجهاد وأمر بمعروف ونهيٍ عن منكر ..
ثم كانت المشكلة الثانية أنهم تربصوا ولم يبادروا إلى عمل الخير، ولم يكونوا ليعرفوا معنىً للتوكل على الله سبحانه وتعالى، كما غفلوا عن قوله الكريم: (وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (آل عمران/ ١٣٣)، أو قوله سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (البقرة/ ١٤٨) ..
فهل تعلم كم من إنسان تمنّى أن يفعل الخيرات غداً أو بعد غدٍ، ولكنه لم يتدارك نفسه إلّا والموت يقتحم عليه داره، فيفصل بينه وبين أمانيه.
قال أميرالمؤمنين عليه السّلام:
«فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله، ولم يضره أجله، ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله وضرّه أجله»[١].
[١] - نهج البلاغة، خطبة رقم ٢٨.