الإنسان و آفاق المسؤولية - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - كرامة الإنسان والعوامل المضادة
أقول: إن فلسفة الاستفادة من القصص والأمثال الواردة في القرآن الكريم وغيره من الكتب الإلهيّة، إنما تكمن في توضيح حقيقة من الحقائق، وإعلانها أمام الناس ليستفيدوا منها ويتخذوها شعاراً ورمزاً لمسيرتهم وحركتهم في هذه الحياة ..
ومن جملة ما يقف وراء سرد قصة فرعون خلال سور قرآنية عديدة، هو ضرورة أن يشعر الإنسان بكرامته التي زوده الله بها دون سائر المخلوقات في الأرض، وأن يسعى كل جهده للحفاظ عليها وصونها دون مطامع الطامعين بالنيل منها أو مصادرتها.
فالقرآن الكريم يقص علينا لدى استعراض الصراع بين النبي موسى عليه السّلام وبين فرعون سيرة زوجة فرعون آسية بنت مزاحم التي كانت ترفل بالنعيم والسعادة والثروة .. فقد كانت سيدة مصر الأُولى، مصر التي كانت في أوج قوتها، وكانت معمورة بالزراعة والصناعة والعمارة.
لقد كانت هذه السيدة الجليلة ذات عقل رصين؛ وقد عرفت بأنها محاصرة بالإرهاب الفرعوني العتيد من جهة، وبالمصالح والشهوات من جهة أخرى، ولكنها رغم ذلك كله تحدت تلك العوامل المثبطة وقالت: (رَبِ ابْنِ لي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّني مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ) (التحريم/ ١١).
فترى ماذا كان في ضمير آسية، هذه المرأة الحديدية المتحدية، حتى كانت أقوى من الجبال الراسيات؟