الفكر الإسلامي اصوله و منهاجه - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - ٧ - الإمامة ضرورة حضارية
٢- أليس الله يعلم أن عباده يذنبون علماً سابقاً على وجود ذنبهم؟ ثم أليس الله عليم ولا يجهل ولا يمكن أن يخطأ. إذاً فلو علم الله أني أكذب فإني لا أقدر على أن لا أكذب، إذ لو لم أكذب إذاً لزم أن يكون علم الله جهلًا.
الجواب:-
بالرغم من أن هذه الشبهة ترى قوية في الأوساط الفلسفية، فإن جوابها واضح وبسيط يعرف بعد أن نفهم واقع العلم، ولنأت له بمثل:
انك تعلم أن أخاك سوف يموت بعد مئة سنة علماً يقيناً، فماذا يحدث؟ إن الواقع الخارجي الذي يحدث بعد مئة سنة وقد انكشف لك بصورة واضحة، وهل هناك شيء آخر من تأثير في الواقع؟ طبعاً لا. حيث أن علمك لا يؤثر في الواقع الخارجي، فلست أنت الذي تقتل أخاك، بل إن لموته سبباً خاصاً أنت فقط تعلم انه سيموت، فالعلم ليس إلّا معرفة الواقع كما هو ليس سبباً في صنع الواقع .. واليك مثلًا آخر:
تعلم أن زيداً سوف ينتحر غداً بصورة إرادية واختيارية، فهل يعني هذا أنك قتلته؟ أبداً، ذلك لأنه إنما انتحر لإرادته الخاصة ووفقاً لدواعي مخصوصة، ولست أنت إلّا عالماً بما سوف يجري. فالعلم لا يؤثر في صنع الأمر الواقع، بل في كشفه، ولدى مقياسه العلم بالمستقبل بالعلم بالماضي يصبح الأمر أكثر وضوحاً لو أنك علمت بأن زيداً مات أمس، فهل يعني هذا أن لعلمك تأثيراً في هذا الموت. وبما أن حقيقة العلم واحدة في الماضي والمستقبل، فليس هناك مجال مقود بتأثير العلم في الواقع، وعلم الله بالأشياء لا يعني أنه هو الذي يفعلها مباشرة. فانه يعلم مثلًا أن زيداً سوف يختار الكفر بحريته وإرادته على الإيمان، وليس معنى هذا أنه تعالى يجبره على ذلك.