أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٧٥ - داود بن عمر الأنطاكي
وأبدل هذا البيت في نسخة أخرى بقوله:
أو ليس عن داود قد * فككت أثقال الكيول والمراد في كل من البيتين شخص واحد قد استنقذه سيف الدولة من الأسر لان أحد البيتين بدل من الآخر فلا يجوز أن يكون المراد بهما مختلفا بل هو شئ واحد وإنما غير اللفظ إلى ما رآه الشاعر أحسن كما أن المراد بقوله قل لابن عمار بن داود هو المذكور في هذين البيتين وهنا يقال كيف سماه في أحدهما ابن داود وفي الآخر داود وفي السابق ابن عمار بن داود والجواب انه حين جعله ابن داود نسبه إلى جده والنسبة إلى الجد شائعة وحين جعله ابن عمار بن داود نسبه إلى أبيه وحين قال وليس عن داود ذكره باسمه ولا يبعد ان البيت كان أولا أوما كشفت عن ابن داود فغير إلى قوله أو ليس عن داود فان فيه تصريحا باسمه فهو أولى من التعبير عنه بابن فلان فقوله أو ليس عن داود لم يرد به داود بن حمدان أولا لأنه تقدم ذكره في شعر أبي فراس ثانيا لان النسخة الثانية التي أريد بها غير ما في النسخة الأولى كما مر جعلته ابن داود لا داود فالجمع بين هذه الأبيات يدلنا على أن المسمى بداود اثنان أحدهما داود بن حمدان بن حمدون المكنى أبا سليمان الملقب بالمزرفن والثاني حفيده داود بن عمار بن داود بن حمدان بن حمدون المكنى أبا العباس ولداود بن عمار هذا يقول أبو فراس:
صبرا فإنك في كفالة سيد * ماضي العزيمة كالهزبر الضيغم أرأيت عمك مرجعا من بعد ما * جعلوه في حلق الحديد المحكم وأراد بعمه أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان الذي أسره القرامطة واستنقذه سيف الدولة منهم كما مر في ترجمة أبي وائل.
الشيخ داود بن عمر الأنطاكي الطبيب المكفوف توفي بمكة المكرمة سنة ١٠٠٩ وقيل ١٠٠٨ وقيل ١٠٠٧ وقيل ١٠٠٥ وعن هامش شذرات الذهب أنه توفي سنة ١٠١١ كان عالما فاضلا أديبا شاعرا طبيبا ماهرا مع أنه مكفوف البصر وتحكى عنه في الطب أمور عجيبة وكان شيعيا نص على تشيعه البستاني في دائرة المعارف ولا بد أن يكون أخذه من مصدر وثيق وعلى ذلك شواهد ودلائل كايراده التترية في تزيين الأسواق وتتلمذه على بعض فضلاء الفرس المسمى محمد شريف وصلاته خلف الشهيد الثاني إذا صحت ومسيره إلى جبل عامل كما يأتي وكان معاصرا للشهيد الثاني وسمعنا مذاكرة أنه صلى خلفه فلم تعجبه قراءته لأنه كان قد تعلم التجويد بمصر فبلغ ذلك الشهيد الثاني فكان سبب هجرته إلى مصر وتعلم بها تجويد القراءة وذكره صاحب السلافة بأسجاع طويلة على عادة ذلك العصر وملخص ما فيها أنه أعمى أدرك ببصيرته ما لم تدركه أولوا الأبصار وقطن بمصر فسار صيته في الأمصار وجمع فنون العلم وسرد متونه وشروحه عن ظهر القلب إلى أدب بهر بتبيانه وأظهر حكمة شعره وسحر بيانه فهو عالم في شخص عالم واعتنى بالطب وفاق أربابه حتى كان يقول لو رآني ابن سيد لوقف ببابي أو ابن دانيال لاكتحل بتراب أعتابي وله فيه مؤلفات مطولات ومختصرات وكان قد هاجر في ابتداء حاله إلى مصر فظهر فيها علمه وفضله حتى دب داء الحسد في علمائهم فرموه بالالحاد وفساد الاعتقاد وزعموا أنه يرى رأي القدماء من الفلاسفة والحكماء ويعتقد بقدم العالم فخرج من مصر هاربا إلى البلد الحرام وانضوى إلى سلطان الحرمين الشريفين الحسن بن أبي نمي فأكرم وفادته وأبدله من الخوف امنا إلى أن توفي بالتاريخ السابق وفي البدر الطالع عن العصامي أنه قال في حقه: هو المتوحد بأنواع الفضائل والمتفرد بمعرفة علوم الأوائل شيخ العلوم الرياضية لا سيما الفلسفة وعلم الأبدان القسيم لعلم الأديان فإنه بلغ فيه الغاية التي لا تدرك له فضل ليس لأحد وراءه فضل وعلم لم يحز أحد في عصره مثله حكي ان الشريف حسن لما اجتمع به امر بعض إخوانه ان يعطيه يده ليجس نبضه وقال له الشريف حسن جس نبضي فاخذ يده فقال هذه ليست يد الملك فأعطاه الأخ الثاني يده فقال كذلك فأعطاه قبلها وأخبر كلا بما هو متلبس به وحكي انه استدعاه الشريف لمداواة بعض حرمه فلما دخل قادته جارية ولما خرجت به قال للشريف حسن ان الجارية لما دخلت بي كانت بكرا ولما خرجت بي كانت ثيبا ففحص الشريف عن ذلك فوجده كما قال وله عجائب من هذا الجنس اه وفي شذرات الذهب في حوادث سنة ٩٨٩ فيها توفي ظنا داود بن عمر الأنطاكي الطبيب الأكمه العالم العلامة قال الطالوي في السانحات داود بن عمر الأنطاكي نزيل القاهرة المعزية والمميز على من له فيها المزية المتوحد بأنواع الفضائل والمتفرد بمعرفة علوم الأوائل لا سيما علم الأبدان المقدم على علم الأديان فإنه بلغ فيه الغاية التي لا تدرك واما معرفته لاقسام النبض فآية له باهرة وكرامة على صدق دعواه ظاهرة ولقد سألته عن مسقط رأسه فأخبرني انه ولد بأنطاكية بهذا العارض قال وقد بلغت عدد سيارة النجوم سبع سنين وانا لا أستطيع ان أقوم لعارض ريح نحكم في الأعصاب وكان والدي رئيس قرية حبيب النجار واتخذ قرب مزار حبيب رباطا للواردين وفيه حجرات للمجاورين ورتب لهم طعاما يحمل إليهم كل يوم وكنت احمل إلى الرباط فأقيم فيه سحابة يومي وإذا برجل من أفاضل العجم يدعى محمد شريف نزل بالرباط فلما رآني سال عني فأخبر فاصطنع لي دهنا مدني به في حر الشمس ولفني في لفافة من قرني إلى قدمي حتى كدت أموت وتكرر منه ذلك مرارا من غير فاصل على قدمي ثم أقرأني في المنطق والرياضي والطبيعي ثم أفادني اللغة اليونانية وقال لا أعلم الآن على وجه الأرض من يعرفها غيري فأخذتها عنه وانا الآن فيها بحمد الله هو إذ ذاك ثم سافرت إلى جبل عاملة ثم إلى دمشق واجتمعت ببعض علمائها كأبي الفتح المغربي والبدر الغزي والعلاء العمادي ثم دخلت مصر وها أنا فيها إلى الآن قال وكان فيه دعابة وحسن سجايا وكرم نجار وخوف من المعاد وخشية من الله كان يقوم الليل الا قليلا ويتبتل إلى ربه تبتيلا وكان إذا سئل عن شئ من العلوم الحكمية والطبيعية والرياضية أملي ما يدهش العقل بحيث يجيب على السؤال الواحد بنحو الكراسة.
وقال المحبي في خلاصة الأثر ناقلا عن سانحات أبي المعالي درويش الطالوي وتلقاه الطالوي عن الشيخ داود نفسه: ثم ما برح أي الشيخ داود ان سار كالبدر يطوي المنازل لدياره وانقطعت عني سيارة أخباره ثم جرت الأقدار بما جرت وخلت الديار من أهلها وأقفرت بتنكرها علي لانتقال والدي واعتقال ما أحرزته من طريفي وتالذي. فكان ذلك داعية المهاجرة. لديار مصر والقاهرة. فخرجت من الوطن في رفقة كرام نؤم بعض المدن من سواحل الشام. حتى إذا صرت في بعض ثغورها المحمية.
دعتني همة عليه أو علوية أن أصعد منه جبل عاملة فصعدته منصوبا على المدح وكنت عامله. وأخذت عن مشايخها ما أخذت وبحثت مع فضلائها