مقتل الحسين عليه السلام - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٢٧٦ - الوداع الثاني
|
يروي الثرى بدمائهم وحشاه من |
|
ظمأ تطاير شعلة قطعاتها |
|
لَو قلبت من فوق غلّة قلبه |
|
صمّ الصفا ذابت عليه صفاتها |
|
تبكي السّماء له دماً أفلا بكت |
|
ماء لغلّة قلبه قطراتها |
|
وآ حرّ قلبي يابن بنت محمّد |
|
لك والعدى بك أنجحت طلباتها |
|
منعتك من نيل الفرات فلا هنا |
|
للنّاس بعدك نِيلها وفراتها [١] |
ثمّ إنّه (عليه السّلام) ودّع عياله ثانياً ، وأمرهم بالصبر ولبس الأزر وقال : «استعدّوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذِّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النّعم والكرامة ، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم» [٢].
حقاً لو قيل بأنّ هذا الموقف من أعظم ما لا قاه سيّد الشهداء في هذا اليوم [٣] ؛ فإنّ عقائل النبوّة تشاهد عماد أخبيتها وسياج صونها وحمى عزّها ومعقد شرفها مؤذناً بفراق لا رجوع بعده ، فلا يدرين بمَن يعتصمن من عادية الأعداء ، وبمَن
يعمل إلاّ بما تلقّاه من جدّه الذي لا ينطق عن الهوى ، وكلّ قضايا الطفّ محدودة الظرف والمكان ؛ لأسرار ومصالح لا يعلمها إلاّ ربّ العالمين تعالى شأنه.
وهناك شيء آخر لاحظه سيّد الشهداء وكانت العرب تتفانى دونه ، وهو حماية الحرم بأنفس الذخائر ، وأبو عبد الله سيّد العرب وابن سيّدها فلا تفوته هذه الخصلة التي يستهلك دونها النّفس والنّفيس. ولمّا ناداه الرجل هتكت الحرم لَم يشرب الماء ؛ إعلاماً للجمع بما يحمله من الغيرة على حرمه ، ولَو لَم يبال بالنداء لتيقّن النّاس فقدانه الحميّة العربيّة ولا يقدم عليه أبي الضيم حتّى لو علم بكذب النّداء ، وفعل سيّد الإباة من عدم شرب الماء ولَو في آن يسير هو غاية ما يمدح به الرجل.
[١] من قصيدة لآية الله الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء رحمه الله.
[٢] جلا العيون للمجلسي بالفارسيّة ، وهنا شيء لَم يتنبّه له أحد وهي إرادة بيان أمرَين ؛ عدم القتل ، وعدم السّلب. فإنّ تعليل لبس الأزر بالحماية والمحافظة مع أنّ أحدهما كافٍ في التعريف بأنّ اليد العادية لا تمدّ إليهم ، يكون الإتيان بهما مع بعد غرض بلوغه أعلى مراتب البلاغة دليل على أنّ المقصود من أحدهما بيان عدم السّلب ، ومن الثاني عدم القتل.
[٣] هذا هو الظاهر من وصيّة الصدّيقة الزهراء (عليها السّلام) للمجلسي أعلى الله مقامه بقراءته مصيبة ولدها عند الوداع. كما ذكره النوري في دار السّلام المجلّد الأول.