مقتل الحسين عليه السلام - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ١٦٦ - محاولات لصرفه عن السفر
خطبته (ع) في مكّة
وقبل أنْ يخرج قام خطيباً فقال : «الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله ، خُطَّ الموت على ولد آدم مَخَطَّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيِّر لي مصرعٌ أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلاة بين النّواويس وكربلاء ، فيملأن منّي أكراشاً جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفّينا اُجور الصابرين. لنْ تشذ عن رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده. ألا مَن كان فينا باذلاً مهجته موطِّناً على لقاء الله نفسَه فليرحل معنا ، فإنّي راحل مصبحاً إنْ شاء الله تعالى» [١].
وكان خروجه (ع) من مكّة لثمان مضَين من ذي الحِجَّة ، ومعه أهل بيته ومواليه وشيعته من أهل الحجاز والبصرة والكوفة الذين انضمّوا إليه أيام إقامته بمكّة وأعطى كلّ واحد منهم عشرة دنانير وجملاً يحمل عليه زاده [٢].
محاولات لصرفه عن السّفر
وسأله جماعة من أهل بيته وغيرهم التريّث عن هذا السّفر حتّى يستبين له حال النّاس ؛ خوفاً من غدر الكوفيّين وانقلاب الأمر عليه ، ولكنّ (أبي الضيم) لمْ تسعه المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره لكلّ من قابله ؛ لأنّ الحقائق كما هي لا تفاض لأيّ متطلب بعد تفاوت المراتب واختلاف الأوعية سعةً وضيقاً ، فكان (عليه السّلام) يُجيب كلّ واحدٍ بما يسعه ظرفه وتتحمّله معرفته.
فيقول لابن الزبير : «إنّ أبي حدّثني أنّ بمكّة كبشاً به تستحلّ حرمتها ، فما اُحبّ أنْ أكون ذلك الكبش ، ولَئن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليَّ من أنْ اُقتل فيها [٣] ، وأيمَ الله لَو كنتُ في ثقب هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم ، والله ليعتدنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت».
[١] اللهوف ص ٣٣ ، وابن نما ص ٢٠.
[٢] نفس المهموم ص ٩١.
[٣] في تاريخ مكة للازرقي ٢ ص ١٥٠ : قال ذلك لابن عبّاس.