مقتل الحسين عليه السلام - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٥٨ - آية التهلكة
عبس وقطب حتّى حال بينه وبين الإمام (ع) ، مشيراً إليه أن لو أساء إلى أبي عبد الله (ع) أهلكه. فلم ير المنصور بدّاً من العفو والإكبار لجلال الإمامة. ثم سيّره إلى مدينة جدّه (ص) مبجَّلا [١].
ولما طال الحبس بموسى بن جعفر (ع) ، وضاق صدره ممّا كان يلاقيه ، توسل إلى الله تعالى في الخلاص منه ، وقال في دعائه : «يا مخلّص الشجر من بين رمل وماء ، ويا مخلّص اللبن من بين فرث ودم ، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم ، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر ، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء ، خلِّصني من يد هارون» [٢] ، فنجا ببركة هذا الدعا من ظلمات الحبس وألم القيود.
ولمّا قدَّم إليه الرشيد الرُّطب المسموم ، إنتقى غير المسموم فأكله وألقى المسموم إلى كلبة الرشيد فماتت [٣]. ولم يقصد بقتلها إلا إعلام الطاغية بأن ما يدور في خلده من اغتياله ، والفتك به في هذا الحين لم يقرب وقته. ولذا لما دنا الأجل ، ودعاه الله تعالى إليه أكل الرطب المسموم الذي قدّمه إليه الرشيد مع العلم به ، ورفع يديه بالدعاء قائلاً : «يا ربّ ، إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم لكنت قد أعنت على نفسي» ، فأكل منه وجرى القضاء [٤].
وعلى هذا الأساس يأمر الإمام أبو الحسن علي الهادي (عليه السّلام) أبا هاشم الجعفري أن يبعث رجلاً إلى (الحائر الحسيني) الأطهر ؛ يدعو له بالشفاء مما نزل به من المرض ، وعلّله : بأن الله تعالى أحب أن يُدعى في هذا المكان [٥]. فإنَّ غرضه ، التعريف بأنه لم يجب في شريعة التكوين إلا جري الاُمور على مجاريها العادية وأسبابها الطبيعية ، أو إنه أراد التنبيه على فوائد الابتهال إلى الله حينما تتوارد الكوارث على العبد ، وتحيط به المحن. كما يرشد إليه احتفاظ الربيع ـ مولى المنصور الدوانيقي ـ بالكنز المذخور ، الذي دعا به الإمام الصادق (ع) يوم
[١] مهج الدعوات ص ٢٩٩.
[٢] أمالي الصدوق ص ٢٢٧ المجلس الستّون.
[٣] عيون أخبار الرضا (ع) ٢ ص ٩٤ ، ط بيروت ص ١٩٨٤.
[٤] مرآة العقول ١ ص ١٨٨ ، وروضة الواعظين ص ١٨٥.
[٥] كامل الزيارات ص ٢٢٣.