مقتل الحسين عليه السلام - المقرّم، السيد عبد الرزاق - الصفحة ٢٥٢ - جون مولى أبي ذر وأنس الكاهلي
قريب ولا بعيد أعزّ عليَّ منك ، ولَو قدرت أنْ أدفع الضيم عنك بشيء أعزّ عليَّ من نفسي لفعلت ، السّلام عليك ، أشهد أنّي على هداك وهدى أبيك. ومشى نحو القوم مصلتاً سيفه وبه ضربة على جبينه فنادى : ألا رجل؟ فأحجموا عنه ؛ لأنّهم عرفوه أشجع النّاس. فصاح عمر بن سعد : أرضخوه بالحجارة. فرُمي بها ، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره وشدّ على النّاس وإنّه ليطرد أكثر من مئتين ، ثمّ تعطّفوا عليه من كلّ جانب فقُتل. فتنازع ذووا عدة في رأسه ، فقال ابن سعد : هذا لَم يقتله واحد. وفرّق بينهم بذلك [١].
ووقف جون [٢] مولى أبي ذرّ الغفاري أمام الحسين يستأذنه فقال (عليه السّلام) : «يا جون إنّما تبعتنا طلباً للعافية ، فأنت في إذن منّي». فوقع على قدميه يقبّلهما ويقول : أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدّة أخذلكم ، إنّ ريحي لنتن ، وحسبي للئيم ، ولوني لأسود ، فتنفّس عليَّ بالجنّة ؛ ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيّض لوني ، لا والله لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم. فأذن له الحسين [٣] ، فقَتل خمساً وعشرين وقُتل. فوقف عليه الحسين (ع) وقال : «اللهمّ بيِّض وجهه وطيِّب ريحه ، واحشره مع محمّد (ص) وعرِّف بينه وبين آل محمّد (ص)».
فكان مَن يمرّ بالمعركة يشمّ منه رائحةً طيّبة أذكى من المسك [٤].
وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخاًً كبيراً صحابياً ، رأى النبي
[١] تاريخ الطبري ٦ ص ٢٥٤.
[٢] في تاريخ الطبري ٦ ص ٢٣٩ : بالحاء المهملة وبعدها واو ثمّ الياء (حوى). وفي مناقب ابن شهر آشوب ٢ ص ٢١٨ : برز جوين ابن أبي مالك مولى أبي ذر الغفاري ، وفي مقتل الحسين للخوارزمي ١ ص ٢٣٧ : جون مولى أبي ذر الغفاري ، وكان عبداً أسود.
[٣] مثير الأحزان لابن نما ص ٣٣ ، طبعة ايران. وفي اللهوف ص ٦١ طبعة صيدا : أفتنفس بالجنّة أترغب أن لا أدخل الجنة؟
[٤] مقتل العوالم ص ٨٨.