عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٣٢٧ - ١١ ـ العابس الذي تولّى
ولكن السورة من خلال ملاحقة جميع القرائن المرتبطة بها ، لا تتفق مع ما يزعمون ، فلدينا هنا مجموعة من القرائن الحالية والمقامية تؤكد جميعها براءة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مما وصموه به ، فمن جهة لدينا الرسول الذي وصف بأنه صاحب الخلق العظيم ، ومن الواضح أن العبوس صفة سيئة لو جاءت من أي إنسان ، فما بالك برسول الله؟ وكذلك لدينا الرسول المأمور بالمرابطة مع الذين يذكرون ربهم ، وما من شك أن ابن أم مكتوم تنطبق عليه هذه الصفة ، وكذلك لدينا الرسول الحريص على رفع العنت عن المؤمنين ، والمتصف بالرحمة والرأفة بهم (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [١] وما من ريب أن ابن أم مكتوم واحد من أصدق من تنطبق عليهم ضرورات الرأفة والرحمة بهم ، فهو من أهل الصفّة ، وله رحم بالرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو أعمى ، فهل يمكن القول بأن رسول الله قد خالف كتاب الله؟!
ومن جهة نجد العتاب القرآني للعابس انحصر في المهمات اللصيقة في صلتها بمهمة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فالتزكية والتذكير المعربة عنهما الآية بعنوانهما هدف ابن أم مكتوم هما من صلب وظائف الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم كما تعرب عن ذلك الآيتين التاليتين : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) [٢] ، وقوله تعالى : (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) [٣] ، وعندئذ فإن قيل : إن الآية نزلت وهي تعرّض بموقف الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي نسي عهد ربه إليه محبة لهداية أحد مجالسيه ، فلقد طرحوا بذلك عظيماً ، كيف لا؟ وهم بذا ينقضون تعهد الله سبحانه بأنه لن يجعل رسالته إلا حيث يعلم بأهلية الحامل لها ،
[١] التوبة : ١٢٨.
[٢] آل عمران : ١٦٤.
[٣] الغاشية : ٢١.