عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٤٧ - تمهيد في طبيعة العلاقة بين الرسالة واللذات
أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) [١] وكيف لا يكون بهذه الجدية وهو المخلّص لهم من غياهب الضلال المبين والمنقذ من ظلماته ، ولقد جاءت بعثة الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله بمثابة التجسيد البشري لهذا العطاء الإلهي كما قال جلّ من قائل : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) [٢] حيث تتداخل الرسالة مع الذات بصورة كاملة فيكون العلم الإلهي المتاح فيها وسيلة لتزكية النفوس ، ومناراً للحكمة تهتدي بها في مسالك الحياة الشائكة ومفاوزها الباثرة [٣] وعثراتها الغائرة.
وهكذا يتعرّى الكلام عن وجود اثنينية في شخصية المعصوم عليهالسلام عن الصحة ، ويخالفها الواقع الموضوعي لطبيعة الرسالة والواقع الشخصي لطبيعة المرسَل كما يدلّنا عليه الحديث الإلهي عنه ، وأن ما ذهبت إليه الأفكار المنحرفة لتشويه مسار العصمة وكل ما يرتبط بهذا الحديث ليس بأكثر من افتراءات لا قيمة لها على الصعيد العلمي ، أو انها تأتي لتعبّر عن جهالات تحكم على عقلية أصحابها.
وقبل أن نطوي هذه الصفحات لنرى كيف تتحرك العصمة في النص المعصوم ، لا بد من الإشارة إلى حقيقة أن الاستدلال الذي قمنا به هنا لا يتعلق بمبحث العصمة فحسب ، بل له أهمية قصوى في مبحث علم المعصوم عليهالسلام حين يتحدّث هؤلاء أيضاً عن الفصل بين العلم الرسالي والموضوع الخارجي ، فيجعلون من الرسول الأعظم عالماً في رسالته ، مجرداً عن الخصوصية العلمية في خارجها ، ضمن حديث طويل استوعبناه بالتفصيل
[١] آل عمران : ١٦٤.
[٢] الجمعة : ٢.
[٣] أي البارزة.