عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٤٢٠ - أ ـ د حسن حنفي
اظهار مظلوميته كلما سنحت له فرصة ذلك ، وقد انطلق موقفه عليهالسلام من منطلقين أحدهما موضوعي يفرضه منطق الأشياء ، إذ لا بد من وجود نظم إداري معين للمجتمع يكون مرجعية لعموم الناس ، بغض النظر عن الطبيعة المعيارية لهذا النظم ، وفي هذا الصدد يحدد الأمير (صلوات الله عليه) مقاييس ذلك حينما يقول : لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برٌّ ، ويستراح من فاجر ، [١] والمنطلق الثاني ينطلق من ناحية فكرية من نفس المنطلق الأول ولكن مع اعطاء الواقعيات السياسية أولوية في التعامل مع الطموحات والأهداف العامة ، وهنا تسمعه بأبي وأمي وهو يتحدّث بمنطق يؤسسه على قاعدة أن الأمير الفاجر وإن كان فاجراً ، ولكن ظلمة في العادة متوجّه إلى خاصة المجتمع لا إلى عامته ، والخاصة في العادة قادرة على تحمل أعباء خصوصيتها ، أو قل قادرة على الارتفاع إلى درجات المسؤولية التي تترتب على خصوصيتها ، ومع هذه القاعدة لا ينسى التأكيد على بيان حقيقة الظلم الذي لحق به من غيره ليوضّح الواقع المعياري للأمير الذي تسالم معه ، ولهذا يقول (صلوات الله عليه) : لقد علمتم أني أحقّ الناس بها من غيري ، والله لأُسلِمَنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلّا عليَّ خاصة. [٢]
وعليه فإن بيعة الاجبار والإكراه والرضوخ لواقعيات الحياة التي لا تسمح للشرعية أن تتنفس لا يمكن أن تكون بيعة عن إرادة ورضا ، ولا تخطئته بعدم قتاله للشيخين عن الحق الذي تركه فهو أمر تفرضه الواقعيات السياسية وطبيعة المصالح التي تعتمل في ذهن الأمير ، والمتفحّص الخبير لا
[١] نهج البلاغة : ٤٤ خ ٤٠.
[٢] نهج البلاغة : ٦١ خ ٧٣.