عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ١٠٨ - متى تنشأ العصمة؟
وما نذهب إليه هو : إن الدليل القرآني ومجموع ما توصلنا إليه يقف إلى جانب أن يكون المعصوم معصوماً حال ولادته ، ولا قيمة للرد القائل بأن الظاهر القرآني يقف على الخلاف من ذلك لقوله تعالى : (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً) [١] فهي دالة على إن الإنسان يولد حين يولد وهو لا يعلم بأي شيء ، بينما العصمة هي حالة علمية واعية بكل شيء ، وعدم قيمة هذا الرأي واضحة لكونه يغفل تخصيصات القرآن ففي قوله تعالى : ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) [٢]يخصص هذا الاطلاق ويضرب المثل بعيسى عليهالسلام الذي جعله نبياً ولما يزل في المهد صبياً ، ومن الواضح أن النبوة أعلى درجة من العصمة ، ونظيرها قوله تعالى في شأن نبوة يحيى عليهالسلام : (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) [٣].
وليس في هذا المثل أي إعجاز اللهمّ إلاّ ما يراه الناس في صورة غير مألوفة لديهم فيتصوروه إعجازاً ، بينما من يلحظ سياقات الكمال الروحي المطروحة في القرآن يجد أن هذا الكمال يمكن أن يذهب بالإنسان إلى درجة أعلى من ذلك بكثير ، فالقرآن يطرح قضية الكمال الروحي في مستطاع كل يد ، ولكنه يشرط هذه الاستطاعة بجملة من العوامل التي تجعلها عصية على الكثير من الناس الذي رزحوا في عالم الظلمات والذنوب.
ففي قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلِينَ) [٤] يطرح القرآن حقيقة أن الإنسان قد عرض عليه شيء ما وهو في «عالم الذر»
[١] النحل : ٧٨.
[٢] مريم : ٢٩.
[٣] مريم : ١٢.
[٤] الأعراف : ١٧٢.