في ظلال الغدير - جمال محمد صالح - الصفحة ٦٩
تلك المسافات كان يطويها الحجّاج وكان يفترض في كلّ حاجّ يودّ العودة إلى أرضه ووطنه أن يقطعها إن كان يستلزم طريق رجوعه امتطاء ظهر تلك المسافات رويداً رويداً.
الطريق بين مكّة والمدينة. كثيرة هي الأصوات ومتعدّدة هي تعاريج الكثبان الرملية وتلولها التي تكاد تلامس حناجر المسافرين في هذه الطرق حينما تعانق ذرّاتها المتطايرة أجواف حلوقهم وتضرب في أوتارهم الصوتية وتلبسهم ثوب الحرمان من جمالية السفر وعنفوان الرحيل إلى كلّ زمان ومكان.
الناس جميعاً يرومون قطع المسافة مهما كلّف الأمر، والحاجّون الذين أنهوا حجّهم واستمعوا إلى خطبة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان التعب قد أرهقهم وهدّهم لبعد المسافة وثقل الأحمال والمؤنة لكن وجود الرسول إلى جانبهم كان يخفّف من عبء السفر فضلاً عن اعتقادهم المتأصّل بنبيّ الإسلام واعتناقهم المذهب عن إيمان واعتقاد لاسيّما أنّ أكثرهم كان من أهل الشام واليمن يضاف إليهم جمع عظيم أيضاً من الأنصار والمهاجرين من أهل المدينة.
لكنّهم يغذون السير دون هوادة تحدوهم طموحات كثيرة.
كيف سيعلنون عن الدين بين أهليهم وكيف سيبشرون بالنبيّ الأعظم وهم الذين رأوه فكان عليهم أن يتزوّدوا منه الكثير كي لا يعوزهم ما يشعرون بالافتقار إليه حينما يصلون إلى أسرهم وعشائرهم وقبائلهم.