مختصر تاريخ دمشق - ابن منظور - الصفحة ٢٠٧
عنك، فإني خارج، أغنى عنك مني عندك. قال: فقال عثمان: فافعل، فخرج عبد الله بن سلام، فلما رآه الناس صاحوا في وجهه، فقالوا: الناموس، الناموس ثلاث مرات عبد الله بن سلام. فقال علي بن أبي طالب: أيها الناس، دعوا عبد الله بن سلام فليتكلم، فخذوا من حديثه ما شئتم، ودعوا ما شئتم، فتركوه فتكلم فقال: أيها الناس، دعوا عثمان لا تقتلوه خمس عشرة ليلة، فإن لم يمت أو يقتل إلى خمس عشرة ليلة من ذي الحجة فقدموني فاضربوا عنقي. فقال الناس: الناموس، الناموس، الناموس عبد الله بن سلام. فأخذ بيدي أبي فقال: يا بني، رفع سلطان الدرة ووقع سلطان السيف، لا يرفع عنهم إلى يوم القيامة. ثم قال: إن لهؤلاء القوم سلطاناً لن يزول حتى تزول الجبال، حتى يتفرقوا فيما بينهم، فإذا فعلوا ذلك خرجوا عصبة بسواد العراق، يخرج فيهم أمير العصب، لا يوجهون لشيء إلا فتح لهم، لا والذي لا إله إلا هو ما أنزل الله في توراة ولا إنجيل ولا قرآن أفضل مما جعل لأولئك القوم، فإن وجدت من العدة والنشاط فلا تقاتل أحداً أبداً حتى ترى ذلك، قال: قلت: ألا إن ذلك بعيد. قال: فوالله ما أراه إلا قد كان، ألا ترى ما كان من سليمان والوليد؟! فإن أدركته فسوف ترى، وإلا فاحفظ عني ما قلت لك.
وعن عبد الله بن مغفل قال: كان عبد الله بن سلام يجيء من أرض له على أتان أو حمار يوم الجمعة يذكر، فإذا قضيت الصلاة أتى أرضه، فلما هاج الناس بعثمان قال: أيها الناس، لا تقتلوا عثمان واستعتبوه، فوالله الذي نفسي بيده ما قتلت أمة نبيها فأصلح ذات بينهم حتى يهريقوا دم سبعين ألفاً، وما قتلت أمة خليفتها فيصلح الله بينهم حتى يهريقوا دم أربعين ألفاً، وما هلكت أمة حتى يرفعوا القرآن على السلطان. ثم قال: لا تقتلوه واستعتبوه. فلم ينظروا فيما قال وقتلوه، فجلس على طريق علي بن أبي طالب، حتى أتى عليه فقال: أين تريد؟ قال: العراق. قال: لا تأت العراق، وعليك بمنبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالزمه، فوالذي نفسي بيده