مختصر تاريخ دمشق - ابن منظور - الصفحة ١٧١
بعضاً بما يقرأ، ويقول: أنا النذير العريان فأدركوا. فجمع عثمان الصحابة، وأقام حذيفة فيهم بالذي رأى وسمع، فأعظموا ذلك، ورأوا جميعاً مثل الذي رأى، قالوا: إن يتركوا ويمضي هذا القرن لا يعرف القرآن. فسأل عثمان: مالباب الفؤاد؟ فقيل: مصحف كتبه أبو موسى، وكان قرأ على رجال كثير ممن لم يكن جمع على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسأل عن مصحف ابن مسعود فقيل له: قرأ على مجمع بن جارية وخباب بن الأرت، وجمع القرآن بالكوفة، فكتب مصحفاً وسأل عن المقداد فقيل له: جمع القرآن بالشام، فلم يكونوا قرؤوا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما جمعوا القرآن في أمصارهم، فاكتتب المصاحف وهو بالمدينة، وفيها الذين قرؤوا القرآن على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبثها في الأمصار، وأمر الناس أن يعمدوا إليها وأن يدعوا ما يعلم في الأمصار. فكل الناس عرف فضل ذلك، أجمعوا عليه وتركوا ما سواه إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن قراء قراءة عبد الله نزوا في ذلك حتى كادوا يتفضلون على أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود فقال: ولا كل هذا، إنكم قد سبقتم سبقاً بيناً، فاربعوا على ظلعكم.
ولما قدم المصحف الذي بعث به عثمان على سعيد، وأجمع عليه الناس، وفرح به أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث سعيد إلى ابن مسعود يأمره أن يدفع إليه مصحفه، فقال: هذا مصحفي، تستطيع أن تأخذ ما في قلبي؟ فقال له سعيد: يا عبد الله، ما أنا عليك بمسيطر، إن شئت تابعت أهل دار الهجرة وجماعة المسلمين، وإن شئت فارقتهم، وأنت أعلم.
قال مصعب بن سعد: قام عثمان فخطب الناس فقال: أيها الناس، عهدكم بنبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أبي وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعزم على رجل منكم ماكان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلاً