مختصر تاريخ دمشق - ابن منظور - الصفحة ١٩٠
وأرسل عثمان رجلين: مخزومي وزهري، فقال: انظرا ما يريدون، واعلما علمهم، وكانا ممن ناله من عثمان أدب، فاصطبرا للحق ولم يضطغنا، فلما رأوهما باثوهما وأخبرو هما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نفر، فقالا: هل إلا؟ قالوا: لا، قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قد قررناه بها فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأننا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه، وكانت إياها. فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: اللهم سلم هؤلاء النفر، فإنك إن لم تسلمهم شقوا، فأما عمار، فحمل علي ذنب ابن أبي لهب وعركه بي، وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه، وأما ابن سارة فإنه يتعرض للبلاء.
وأرسل إلى المصريين والكوفيين ونادى الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر فأقبل أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان فقالوا جميعاً: اقتلهم، فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله، فاقتلوه. وقال عمر بن الخطاب: لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحد حتى يركب حداً أو يبدي كفراً، إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علي، عقد من لا يعلم.
وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلداً فيه أهلي فأتممت لهذا من الأمر، أفكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
قالوا: وحميت حمى، وإني ما حميت إلا ما حمي قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعية أحد، واقتصروا