الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٩ - ١- حقيقة التوكل
ونقرأ في حديث آخر أنّه سُئل الإمام عليه السلام عن حقيقة التوكل فقال: «لَا تَخَافُ سِوَاهُ» [١].
ويستفاد من هذه العبارات أنّ روح التوكل هي الانقطاع إلى اللَّه وهجر التعلق بالمخلوقات والأسباب، وما لم يصل الإنسان إلى هذه المرتبة فهو بعيد عن حقيقة التوكل، وكذلك يستفاد من الروايات الرفض الأكيد للمفهوم السلبي من التوكل، أي ترك الاستفادة من الأسباب المادية، فقد ورد في حديث معروف أنّ رجلًا اعرابياً ترك ناقته وجاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قائلًا: «تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ» فقال له النبي صلى الله عليه و آله: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [٢].
ولهذا السبب ورد في الآيات الكريمة والسنّة النبوية نصوص كثيرة توجب على المؤمنين الأخذ بالأسباب الظاهرية وأنّ ذلك لا يتقاطع مع روح التوكل من قبيل قوله تعالى: «وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ...» [٣].
ومن جهة اخرى نرى أنّ القرآن الكريم يبيّن للمسلمين كيفية صلاة الخوف ويقول: «...
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَاسْلِحَتَهُمْ ...» [٤].
وعلى هذا الأساس نرى أنّ القرآن الكريم يوجب على المسلمين الأخذ بأدوات الحذر والحيطة تجاه العدو حتّى في حال الصلاة، فكيف الحال في الموارد الاخرى؟
إن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله نفسه لم يتحرك في هجرته من مكّة إلى المدينة من موقع اللامبالاة بالخطر وبدون تخطيط مسبق والاكتفاء بقول «تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ»، بل تحرك على مستوى اغفال العدو بأن طلب من الإمام علي عليه السلام من جهة أن ينام على فراشه إلى الصباح، ومن جهة اخرى خرج من مكّة ليلًا وعلى أتم السريّة والخفاء، ومن جهة ثالثة لم يتوجه شمالًا صوب المدينة مباشرة، بل توجه نحو الجنوب قليلًا وبقي في غار ثور لثلاثة أيّام مختفياً عن
[١]. بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ١٤٣، ح ٤٢.
[٢]. المحجّة البيضاء، ج ٧، ص ٤٢٦، كنزالعمّال، ح ٥٦٨٧ و ٥٦٨٩.
[٣]. سورة الأنفال، الآية ٦٠.
[٤]. سورة النساء، الآية ١٠٢.