أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٠٠ - جواب المادّيين عن الأخطاء الحسّية
وقليل المطابقة وقس على ذلك كافة الإحساسات والإدراكات، وخذ ذلك مقياساً عند القضاء بالصحة والخطأ فليس لنا إدراك صحيح مطلق بأن يماس العضو الحاس متن الواقع بعينه ولا يكون أدنى اختلاف بين المدرك والواقع ولا تصرف من القوى، ولا خطأ مطلق بأن لا يماسه أصلاً على ما تقدم توضيحه.
إذا وقفت على ما ذكرنا (مدخلية العضو الحاس والشرائط الحافّة به في كيفية الإدراك وتلوّنه باختلافها) لا نستبعد أن يفارق الإنسان سائر الموجودات التي لها قوّة الإحساس والإدراك في كيفيّتهما، وأن تتجلّـى المناظر والقلاع، والجبال الشاهقة والهياكل العظيمة والصغيرة لغير الإنسان لا على النحو الذي تتجلّـى له، ولعلّ الكراسي المربعة والمناضد التي بمرأى ومسمع منّا بشكل خاص ولون معيّـن، يدركها غيره لا على النحو الذي ندركه، وقد أيّدته التجارب وإن لم يصل إلى حد اليقين.
ومن المحتمل جداً أن تتغير علوم الإنسان، بديهيّها ونظريّـها إذا خرج
ثمّ إنّه لا دليل على أنّ الأعصاب ومحال الإدراك في الجميع على نحو واحد، وسنخ فارد، بل من المحتمل جداً اختلافهم فيها حسب الخلقة ويورث هذا اختلافاً في الإحساسات وتطوّراً في الإدراكات، خصوصاً إذا أُضيف إليه، اختلافهم في البيئة، وجوّ الحياة، فإنّ لتطوّره حظّاً وافراً في تلوّن التفكير الإنساني إحساساً وإدراكاً، ولذلك لا يجوز لنا ن نترقّب ممّن نشأ وشبّ وترعرع في غير كوكبنا هذا، أن يتحد معنا في الإدراك والإحساس بل لعله يختلف معنا حتى في أبسط القضايا وأوضحها فلعلّ ٢*٢ يساوي عنده ٣، بل لعلّ هذه القوانين الفيزيائية والكيميائية والرياضية تتمثّل عنده بغير الوجه الذي نعتقده، وليس واحد من التفكيرين خطأ، بل الكل صحيح،إذ ليس التفكير سوى كونه وليد العوامل المختلفة والشرائط التي أحاطت المدارك الفكرية وهو موجود في الرأيين المتضادّين.
هذه خلاصة أنظارهم، وقد فصل هذه النظرية، شيخ المادّيين في كتابه ماتريالسيم ديالكتيك، تجدها مشروحة طي صفحات (٣٤ـ ٣٩).