أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٩٩ - جواب المادّيين عن الأخطاء الحسّية
وتنشره المجلات والجرائد، لكن هذه الوسائل وإن أُعطيت لها من القدرة والقوة لتحليل عللها، لا تقدر على تفسير موجباتها وعواملها التي أحدثتها، إذ هذه الحادثة رهينة شرائط غير متناهية، وهي لا تنقطع حتى تتصل بالحوادث الواقعة في الأيام الخالية، وهذه السلاسل من الحوادث التي لا تكاد تقف على حد تعد حدوداً ورسوماً ومعرفات لهذه الحادثة، لا يمكن تحليلها إلاّ بسردها والتدبّر فيها.
إذا عرفت هذين المثالين فهلمّ معي نحاسب الحد الذي يمكن لنا أن ندرك من الحقيقة وما معنى قولنا: هذا صحيح وهذا خطأ، فنقول: إذا واجه العضو الحاس أجزاء كثيرة من المادّة الخارجية، ووقف الإنسان على شرائط كثيرة لهذه الحادثة (على ما عرفت في المثالين)، فالإحساس والإدراك صحيح، صحّة نسبية، بمعنى كثير المطابقة، وقليل المغايرة. ولو واجه العضو الحاس أجزاء قليلة (كما في مشاهدة الجسم) أو وقف على شرائطه لكن على نحو أقل من السابق، فالإدراك والإحساس خطأ نسبي، بمعنى كثير المغايرة،
آخر أمضى مقالة النسبيين وفسّـر تطوّر الإدراك واختلافه، باختلاف الأعصاب ومحالّ الإدراك، وعلّل اختلاف الباحثين في قضائهم وأفكارهم باختلاف مراكز إدراكاتهم، هذه المقالات قد جرّت المادّي إلى شفير السفسطة ودونك خلاصة أنظاره في المقام.
حقيقة الإدراك عند المادّي، عبارة عمّـا تكرر منّا بيانه، وهو: أنّ الفكر خصيصة من خصائص الأعصاب الدماغية المتشكّلة على نظام خاص، غير أنّ هذه الخصيصة انّما يظهر سلطانها إذا تأثّرت الأعصاب من المادّة الخارجية كتأثّرها من الأمواج المنبعثة من الخارج الواصلة إليها من طريقي السمع والبصر .
وإذ حمل العصب الدماغي، أثاراً مادّية من طرق الحواس، يستعد للتفكير والتفكّر، والاستدلال وإقامة البرهنة ويستطيع على حل المسائل الرياضية، وكشف القوانين الكلّية، وإدراك المسائل الكلّية الفلسفية، ولا يجوز عدّ التفكير عملاً خارقاً للقوانين العادية الطبيعية، إذ ليس التفكير، إلاّ التفاعل الكيماوي الطارئ في المخ غبّ تقابل المادتين.