أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٦٩ - النكتة الأُولى
مقال ينبغي أن تقف عليه وعلى ما فيه.
قالوا: إنّ الفلسفة الإلهية تعتمد غالباً في مسائلها وتحليلاتها على مقدّمات وهمية لا حقيقة لها إلاّ في عالم الأوهام وأحياناً على مقدّمات عقلية بعيدة لا مساس لها بالحس والتجربة.
ولكن الفلسفة المادّية في عامّة أبحاثها تتّصل بالعلوم وتستند عليها ولا تعتمد إلاّ على الحس أو التجربة أو ما يمكن أن يقع في صراطها.
والأساس لعامّة أبحاث الفيلسوف المادّي هو القول بأصالة المادّة وأنّ الوجود مساو للمادّة وهي تساويه، إذ المادّي مع ما استفرغ من الوسع في تحصيل المعارف وحل المجاهيل وتحليل المسائل الكلّية، لم يقف على موجود غير مادّي ولا محسوس.
وما اعترف به الفيلسوف الإلهي من العوالم الروحية والموجودات غير المادّية، ممّا لم يهتد إليه مع ما بذلوا من الجهود الجبّارة في هذا الطريق.
قالوا: إنّ الطريق الذي يسلكه المفكّر الإلهي في تحليلاته، لا يوصله إلى ضالّته المنشودة، ولا يورث إذعاناً لما استنتج، إذ لم يعتمد في أبحاثه على ما هو بين الثبوت وسهل الانتاج من الحس والتجربة، بل يعتمد على مقدّمات عقلية بحتة بعيدة عن مستوى العقول، والفلسفة المادّية القائلة بأصالة المادّة تستند على العلوم وتسير بسيرها وتتجدّد بتجدّدها [١].
ذلك مقالة المادّيين ونحن لو تنزّّلنا لهم ولم نتّهمهم بالتقوّل بالزور
[١] سيوافيك في المستقبل الآتي انّ ما اعتمد عليه المادّي من الأُصول الفلسفية كلّها استنباطات من النظريات العلمية وفرضيّاتها، وليس ما حرّروه من الأُصول نتائج العلوم بلا واسطة بل هي استنباطات شخصية قائمة بنفس مستنبطيها لا تحتّمها العلوم ولا تضمن صحّتها.