أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٩٧ - جواب المادّيين عن الأخطاء الحسّية
فلا يمكن الوقوف على الحجم الواقعي إلاّ بعد الوقوف على العالم كلّه، والموجودات عامّتها، والشرائط الزمانية والمكانية كافّتها. وبالجملة: الوقوف على كل ما له مدخلية بالفعل أو كان له مدخلية في تكوّنه، وقد استقام في محلّه أنّ المادّة الخارجية مرتبطة الأجزاء، متلاصقة الأبعاض، يؤثّر بعضها في بعض ولا تجد موجوداً مادّياً إلاّ وهو مرتبط بعامّة الموجودات الحاضرة والغابرة، وهذا معنى قولنا: إنّ أجزاء المادّة يؤثّر بعضها في بعض، وأنّ الطبيعة الخارجية يحكم عليها التأثير والتأثّر، تأثير الكل في الكل وارتباط الكل بالكل، فلا يستقر أمر الجسم الخارجي بإفراز وجوده، وعزله من قرنائهوأعداله، ما لم يقع في صفوف سائر الموجودات حتى يحاسب بحسابه.
وعلى الجملة: الميزان في الوقوف على الحد الواقعي للجسم، هو سرد عامّة الحوادث والموجودات، لمدخليتها في وجوده ونشوئه، ولا يتحصّل تحليل
الواقع، فإنّ المداد في حدّ ذاته إمّا مستقيم أو منكسر، وليس خارجاً منهما ولا جامعاً لكلا الأمرين، فأحد الإدراكين خطأ محض.
المادّي شكّاك في علومه وإدراكاته:
إنّ المادّيين اليوم ـ أعني أتباع الفلسفة المادّية المتحولة ـ يفرّون من السفسطة والتشكيك، فرار المزكوم من المسك، ويعرّفون مسلكهم بمسلك الجزم واليقين، حتى صاروا بتصحيح الفروض التي أبطلها العلم والتجربة بطريق سيوافيك بيانه، وهو الاعتقاد بكامل الحقيقة، وانّ لها مدارج ومراتب.
غير أنّ المقياس لتشخيص الشكّاك عن غيره، ليس التقوّل بهذه الكلمات الفارغة، بل الميزان هو الخطة التي اتخذها عند البحث عن قيمة العلوم والإدراكات، وإلاّ فالسوفسطائي والشكّاك كلّهم هاربون عن رميهم بالشك والسفسطة.