أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٦٤ - جولة حول هذا المقال
الموجود ذات أجزاء من خصائص المادة حسب ما عرفت بيانه، ولا أظن المادّي المخبت إلى الحقائق والخاضع للعرفان الصحيح، أن يستقر على رأيه إذا وقف على ما أسلفناه.
هب أنّ حقيقة العلم هي الآثار المادّية البارزة عند تقابل المادّتين وتفاعلهما، ككون البحيرة عين هذه النقط السوداء في الصفحة الكارتونية والأشجار عين تلك ...
غير أنّ مشكلة الانتقال من هذه النقط السوداء إلى مصاديقها وذواتها المحكية بعد باقية، إذ كيف يجوز للمدرك أن ينتقل من هذه الآثار الدماغية إلى مصاديقها، ويقول: إنّ هذا مثال ما برز في الدماغ، مع أنّهما ليسا من سنخ واحد.
وربّما يُتمحّل المادّي في حل الإعضال وتصحيح الانتقال من وليد المادّتين إلى المادّة الخارجية، بتشبيه المقام بالتمثال الشمسي، «بإنّ الناظر يهتدي (إذا أطلّ بنظره إلى النقاط السوداء التي سجلتها عدسة المصوّر في الصفحة الكارتونية) إلى الذوات المحكية عنها بها» غير أنّ ذلك قياس مع الفارق، إذ الذوات المحكية عنها مثل البحيرة والعائلة المنتزهة حول الروض العبق، والتلال المصفوفة مشهودة معلومة لنا قبل أن نطل بنظرنا إلى التمثال، ولأجل تلك المشاهدة والعرفان يصح لنا أن نحكم على النقط السوداء بأحكام مختلفة ونقول: إنّها تحكي عن بحيرة، وتلك عن الأشجار وهكذا [١].
[١]قد تقدّم توضيح مقالة المادّي حول حقيقة الإدراك والعلم والمعلوم في خاتمة المقالة الثانية وحاصله: أنّ العلم والمعلوم (الشيء الخارجي) متباينان وجوداً وماهية، ولا تجد بينهما أي رابط غير التوليد، وقد أوضحنا هناك أنّ ما ادّعاه المادّي تجرّه إلى السفسطة، إذ لو كان العلم غير المعلوم وجوداً وماهية، لزم سلب صفة الكاشفية عن العلوم والإدراكات كلّها وما تمسّك به المادّي من أنّ الاعتقاد بكون العلم وليد المعلوم الخارجي يكفي في الاهتداء إلى الخارج ضعيف جداً، لأنّ القول بأنّ لهذه الصورة الذهنية مصداقاً في الخارج فرع تصوّر الخارج والاهتداء إليه قبل ملاحظتها، ولو فرضنا أنّ كلّما في الذهن غير الخارج من جميع الجهات فمن أين علمنا بالخارج، ومن أين وقعنا على أنّ تصوّراتنا هذه مصداقاً حقيقياً، فعندئذ يعد التطرّق إلى الخارج من الخواطر المستحيلة.