أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٤٨ - إدراك الكلّـي إدراك غير مادّي
ومحصله: أنّه يقع في أُفق الفكر بعض المفاهيم العامّة التي لا تأبى من الصدق على كثير، وهو يقبل الانطباق على غير واحد من أفراده كالإنسان والشجر وقد تداولت تسمية ذلك في الفلسفة الإلهية بالكلّـي.
والصورة العلمية من ذلك الكلّـي بوصف الكلّية وعدم الامتناع عن الصدق على كثير، يمتنع أن يتحقّق في المادّة والحال أنّه يصدق على مصاديق كثيرة، فإنّ الموجود المادّي موجود شخصي وله من الشرائط (كالزمان والمكان) حظّه الوافر، والمقيّد بقيود الزمان والمكان، يستحيل أن يصدق على مصاديق مختلفة من حيث القيود كما هو شأن الأفراد.
ونحن مع الاعتراف الصريح بأنّ الكلّـي له نحو ارتباط بأفراده ومصاديقه لأجل انطباقه عليها، غير أنّ ذلك لا يصدّنا عن القول بأنّ وجوده غير مشوب بالمادة وآثارها، يرشدنا إلى ذلك أنّ الكلية وجواز الصدق على كثير، القائم بالمفهوم الكلّـي، ممّا لا يعقل أنّ يتحقّق في المادّة إذ المادّة والمادّي متعيّنان بالزمان والمكان، والتعيّـن بواحد منهما أو كليهما لا يجتمع مع الكلّية، فإنّ الكلّـي يصدق على مصاديق مختلفة من حيث الزمان والمكان.
وعلى ذلك يحق لنا أن نقول: إنّ المدرك الكلّـي كالإنسان موجود في المدارك العقلية، عار عن شائبة المادّية، فهو بما أنّه يصدق على كثير، كلّـي. وبما أنّه لا تناله يد التغير، ثابت. وبما أنّه مرسل من كلّ قيد، مطلق. وهذه الصفات والخواص، تهدي الباحث المفكّر إلى القول بتجرّد الفكر وما فيه من المادّة وشؤونها.