أُصول الفلسفة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٥٠ - البرهان الخامس على تجرّد الفكر والعلم
الوقوف مع التبدّل والتغيّـر، ولا يستقران في موقف واحد.
ويمكن سبك البرهان في قالب الاصطلاح فنقول:
حيثية العلم غير حيثية التغيّـر والسيلان، ويترتب عليه تباين سنخ وجود العلم مع وجود المادة.
وإن استصعبت ما مر من البيان فاعطف نظرك إلى بعض أطوار العلم كالتذكّر ، فلا ضير علينا إذا أملينا منه عليك شيئاً طفيفاً، لعلّه يكفي في إثبات الغاية من المقالة :
لا شك أنّ الإنسان محل النسيان، ربّما ينسى ما عرفه أو لا ويغيب عنه ما أدركه من قبل، غير أنّه يستطيع أحياناً أن يسترجع ما نسيه ويستعيد ما غاب عنه، فيتذكر عين ما كان واقفاً عليه في سالف الزمان بحيث لا يجد فرقاً بين المدركين.
وهذا أوضح دليل على أنّ للصور العلمية ثباتاً وبقاءً ربّما يتوجه الإنسان إليه ويستعيد عين ما كان وعاه ويسترجع الأمر الذي كان نسيه.
وهذا أوضح شاهد على أنّ الصور العلمية مجرّدة عن المادّة وشوائبها ولها وجود غير مادّي قائم بنفسه أو مع القوى الإدراكية.
ولو كانت حقيقة العلوم نفس الآثار المادّية البارزة في الأذهان، لما كان للتذكّر مفهوم صحيح خصوصاً إذا طالت المدة بين الإدراكين، فإنّ الدماغ وما فيه يتبدّل ويتحلّل بمرور الزمان ومضيّ بعض سنين، مثل تبدّل سائر الأعضاء بحيث لا يبقى منها بعد أعوام عديدة عين ولا أثر.
ولو كانت إدراكات الإنسان وعلومه متمركزة في هاتيك الأعصاب بوجود مادّي، لما كان للتذكّر والاسترجاع مصداق حقيقي بعد فنائها وقيام