تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٩١
تبقّى معي من تلك الدنانير نحو من خمسين دينارا ، وكان محمّد بن الحسن يومئذ بالرقّة ، فأنفقت تلك الدنانير على كتبهم ، قال : فوجدت مثلهم ومثل كتبهم كمثل رجل كان عندنا يقال له فرّوخ ، وكان يحمل دهنا يبيعه في زقّ له ، فكان إذا قيل له عندك برسيان [١]؟ قال : نعم ، عندك زنبق؟ قال نعم ، عندك خيري [٢]؟ قال : نعم ، فإذا قيل له أرنا منه ـ وكان للزق رءوس كثيرة ـ فيخرج لهم من تلك الرءوس ، وإنما هو دهن واحد ، وكذلك وجدت كتبهم ، إنّما يقولون كتاب الله وسنّة نبيه ٦ ، وهم يخالفون الله ، ويخالفون الرسول ، قال : وسمعت محمّد بن الحسن ـ وأنا من أشد الناس غما ـ وهو يقول لأصحابه : إن تابعكم محمّد بن إدريس الشّافعي فما عليكم من حجازي كلفة بعده؟
قال : فجئت يوما ، فجلست إلى محمّد بن الحسن وأنا من أشد الناس همّا وغما وقلقا وأرقا من سخط أمير المؤمنين علي ، وأخرى أن زادي قد فني ، والدراهم التي أنفقتها على كتبهم ، فلمّا أن جلست إليه وبصرني ، أقبل يطعن على دار الهجرة ، قال : فقلت له : على من تطعن؟ أعلى البلد أم على أهله؟ فو الله لئن طعنت على أهله فإنّما تطعن على مثل أبي بكر ، وعمر ، والمهاجرين ، والأنصار رضياللهعنهم أجمعين ، وإن طعنت على البلد فإنّما تطعن على بلدته التي دعا لهم رسول الله ٦ أن يبارك لهم في صاعهم ومدّهم ، وحرّمها رسول الله ٦ كما حرّم إبراهيم مكة ، لا يقتل صيدها ، فعلى أيهما تطعن؟ فقال لي : معاذ الله أن أطعن على أحد منهم ، أو على بلدته ، وإنّما أطعن على حكم من أحكامهم ، فقلت له : ما هو؟ فقال لي : اليمين مع الشاهد ، قال : فقلت له : ولم طعنت عليه؟ قال : لأنه مخالف لكتاب الله عزوجل ، قال : فقلت له : أفكلّ خبر يأتيك مخالفا لكتاب الله تسقطه ، قال : فقال لي : كذا يجب ، قال : فقلت له : فما تقول في الوصية للوالدين والأقربين؟ قال : ففكّر ساعة ، فقلت له : أجب ، فقال : لا يجب ، قال : فقلت له : فهذا مخالف لكتاب الله ، ثم قلت له : لم لا تجب؟ قال : لأن رسول الله ٦ قال : «لا وصية لوارث» [٣] [١٠٨٩٢] قال : فقلت له : أخبرني عن الشاهدين : حتم من الله تعالى؟ قال لي : ما ذا تريد من هذا؟ قال : قلت : لأنك زعمت أنّ الشاهدين حتم من الله تعالى لا غير ، كان ينبغي لك أن تقول : إذا زنى زان [٤] فشهد عليه
[١] كذا بالأصل وم وت ود ، وفي حلية الأولياء : فرشنان.
[٢] كذا رسمها بالأصل وم وت ود ، وفي الحلية : حبر.
[٣] في الحلية : لا وصية للوالدين.
[٤] بالأصل وم وت ود : زاني بإثبات الياء ، والمثبت عن الحلية.