تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٨٥
محمّد بن أحمد بن محمّد بن عمرو ، حدّثنا الحسن بن إسماعيل بن محمّد المالكي ، حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الرقّي [١] ـ يعرف بابن المولّد ـ حدّثنا أبو المجاهد عبد الواحد بن محمّد الملطي ، حدّثنا أبو زكريا يحيى بن زكريا النيسابوري ، حدّثنا الربيع قال : وحدّثنا زكريا ابن يحيى السّاجي ، حدّثنا الربيع وبعضهم يزيد على بعض في الحكاية قال : سمعت الشّافعي يقول : كنت أنا في الكتّاب أسمع المعلّم [٢] يلقن الصبي الآية فأحفظها أنا ، ولقد كنت [٣] [ـ و][٤] يكتبون الصبيان أئمتهم فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم ـ قد حفظت جميع ما أملى ، فقال لي ذات يوم : ما يحلّ لي أن آخذ منك شيئا ، قال : ثم لمّا خرجت من الكتّاب كنت ألتقط الخزف [٥] والدّفوف [٦] ، وكرب [٧] النخل ، وأكتاف الجمال ، وأكتب فيها الأحاديث ، وأجيء إلى الدواوين فاستوهب منها الظهور [٨] وأكتب فيها حتى كان لأمي حباب [٩] فملأتها أكتافا وخزفا ، ثم إنّي خرجت من مكة فلزمت هذيلا في البادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها ، وكانت أفصح العرب ، فبقيت فيهم سبع عشرة سنة أرتحل برحلتهم [١٠] وأنزل بنزولهم ، فلمّا أن رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار ، وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب ، فمرّ بي رجل من بني عثمان [١١] من الزبيريين فقال : يا أبا عبد الله عزّ عليّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه ، فتكون قد سدت أهل زمانك ، قال : فقلت : ومن بقي يقصد إليه؟ فقال لي : هذا مالك بن أنس سيّد المسلمين يومئذ ، قال : فوقع في قلبي ، فعمدت إلى الموطّأ فاستعرته من رجل بمكة ، فحفظته في تسع ليال ظاهرا ، ثم دخلت إلى والي مكة ، فأخذت كتابه إلى والي المدينة ، وإلى مالك بن أنس ، قال : فقدمت المدينة وأبلغت الكتاب إلى الوالي ، فلمّا أن قرأه قال : والله يا فتى إنّ مشي من جوف المدينة إلى
[١] من طريقه رواه ياقوت الحموي في معجم البلدان ١٧ / ٢٨٤ وما بعدها.
[٢] تقرأ بالأصل : العلم ، والمثبت عن م وت ود ، ومعجم الأدباء.
[٣] بالأصل ، وم ود ، وت : كان ، والمثبت عن معجم الأدباء.
[٤] زيادة لازمة للإيضاح عن معجم الأدباء.
[٥] الخزف : الآجر ، وكل ما عمل من طين وشوي حتى يكون فخارا.
[٦] الدفوف واحدها دف ، وهي الجلود التي يعمل منها الطبل والضمامات.
[٧] كرب النخل : الواحدة كربة ، وهي أصول السعف الغلاظ العراض التي تقطع معها.
[٨] الظهور : الأوراق.
[٩] حباب : جمع حب ، وهي الجرار.
[١٠] في معجم الأدباء : أرحل برحيلهم.
[١١] كذا بالأصل وم وت ود ، وفي معجم الأدباء : رجل من الزبيريين من بني عمي.