تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٤١
أخبرنا أبو المعالي الفارسي ، أنبأنا أبو بكر البيهقي قال : هكذا أخبرنا به في كتاب المناقب وقرأته بخطه بعد وفاته في أجزاء كتبها للمذاكرة والحفظ ، سمعت الشيخ أبا الوليد [١] يقول [٢] : كنا في مجلس القاضي أبي العباس بن سريج سنة ثلاث وثلاثمائة فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال : أبشر أيها القاضي ، فإنّ الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها [٣] أمر دينها ، وإنّه تعالى بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز وتوفي سنة ثلاث ومائة ، وبعث على رأس المائتين أبا عبد الله محمّد بن إدريس الشّافعي ، وتوفي سنة أربع ومائتين ، وبعثك على رأس الثلاثمائة ثم أنشأ يقول :
| اثنان قد مضيا فبورك فيهما | عمر الخليفة ثم حلف السّؤدد | |
| الشافعي الألمعي [٤] محمّد | إرث النّبوّة وابن عمّ محمّد | |
| أبشر أبا العباس إنّك ثالث | من بعدهم سقيا لتربة أحمد |
قال : فصاح أبو العباس وبكى ، وقال : قد نعى إليّ نفسي ، قال الشيخ أبو الوليد : فمات القاضي أبو العباس في تلك السنة ، قال الحاكم أبو عبد الله [٥] : فلما رويت أنا هذه الحكاية كتبوها وكان ممن كتبها شيخ أديب فقيه ، فلمّا كان المجلس الثاني قال لي بعض الحاضرين : إنّ هذا الشيخ قد زاد في تلك الأبيات ذكر الشيخ أبي الطيب سهل بن محمّد [٦] وجعله على رأس الأربع مائة ، فسألت ذلك الفقيه عنه فأنشدني قوله في قصيدة مدحه بها :
| والرابع المشهور سهل بن محمّد | أضحى إماما عند كلّ موحّد | |
| يأوي إليه المسلمون بأسرهم | في العلم إن جاءوا بخطب موبد | |
| لا زال فيما بيننا شيخ الورى | للمذهب المختار خير مجدّد |
قال الحاكم : فسكتّ ولم أنطق ، وغمّني ذلك إلى أن قدّر الله وفاته ; في تلك السنة.
[١] هو حسان بن محمّد بن أحمد بن هارون ، أبو الوليد الفقيه النيسابوري شيخ خراسان ، ترجمته في سير أعلام النبلاء ٥ ١ / ٤٩٢.
[٢] من هذا الطريق الخبر والشعر في سير أعلام النبلاء ١٤ / ٢٠٢ ـ ٢٠٣ في ترجمة أبي العباس ابن سريج ، والمستدرك للحاكم ٤ / ٥٢٢ وتاريخ بغداد ٤ / ٢٨٩ وتذكرة الحفاظ ٣ / ٨١٢.
[٣] يعني للامة ، كما في سير الأعلام.
[٤] في المستدرك : الأبطحي.
[٥] راجع المستدرك للحاكم ٤ / ٥٢٢ ـ ٥٢٣.
[٦] هو شيخ الشافعية بخراسان ، أبو الطيب سهل بن محمّد بن سليمان بن محمّد العجلي الصعلوكي النيسابوري ، ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٧ / ٢٠٧.