تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٨٩
أسألك؟ قال : قلت : ذاك إليك ، فقال خبّرني عن صلاة الخوف أواجبة هي؟ فقلت : نعم ، فقال : ولم؟ فقلت بقول الله : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ..)[١] الآية ، قال : ما تنكر من قائل قال لك : إنما أمر الله بنيه ٦ وهو فيهم ، فلما زال عنهم النبي ٦ زالت عنهم تلك الصلاة؟ فقلت : وكذلك الله تعالى لنبيه ٦ (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً)[٢] الآية ، فلما أن زال عنهم النبي ٦ زالت عنهم الصدقة؟ قال : لا ، قلت : وما الفرق بينهما والنبي ٦ المأمور فيهما جميعا ، قال : فسكت.
فقال : يا أهل المدينة ما أجرأ لم على كتاب الله عزوجل ، فقلت : أجرؤنا على كتاب الله من يخالفه ، فقال لي الله يقول : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)[٣] فقلتم أنتم : نقضي باليمين مع الشاهد ، فقلت لكنا نقول بما قال الله ، ونقضي بما قضى به رسول الله ٦ ، ولكنك أنت خالفت قضاء رسول الله ٦ ـ قال : فأين؟ قلت : في قصة حويصة ومحيصة وعبد الرحمن حين قال لهم النبي ٦ في قصة القتيل : «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» قالوا لم نشهد ولم نعاني ، قال : «فتحلف لكم يهود» فلما أن نكلوا عن اليمين رد اليمين على اليهود ، قال : فقال : إنما كان ذلك استفهام من رسول الله ٦ ، استفهم من اليهود.
فقال هارون : ثكلتك أمك يا بن الحسن ، رسول الله ٦ يستفهم من اليهود؟ نطع وسيف ، قال : فلما رأيت الجد من هارون ، قلت : يا أمير المؤمنين إن الخصمين إذا اجتمعا تكلم كل واحد منهما بما لا يعتقده ليقطع به صاحبه [٤] ، وما أرى محمّدا أراد بهذا نقصا لرسول الله ٦ ، فسريت عنه ، ثم ركبنا وخرجنا من الدار ، فقال لي : يا أبا عبد الله فعلتها؟ قال : قلت : فكيف رأيتها بعد ذلك؟
أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمّد الفقيه ، أنبأنا أبو البركات أحمد بن عبد الله ، أنبأنا أبو القاسم الأزهري ، أنبأنا أبو علي بن حمكان ، حدّثنا محمّد بن الحسن النقاش ، حدّثنا الحسين بن إدريس ـ بهراة ـ حدّثني داود بن علي الأصبهاني قال : سمعت الشّافعي يقول [٥] : كنت امرأ أكتب الشعر ، فآتي البوادي فأسمع منهم قال : فقدمت مكة ثم خرجت وأنا أتمثّل بشعر لبيد ، وأضرب وحشي قدمي بالسوط ، فجذبني [٦] رجل من ورائي من الحجبة قال
[١] سورة النساء ، الآية : ١٠٢.
[٢] سورة التوبة ، الآية : ١٠٣.
[٣] سورة الطلاق ، الآية : ٢.
[٤] يقطع به صاحبه : أي ليسكته بالحجة.
[٥] الخبر من طريق آخر في حلية الأولياء ٩ / ٧٠ وجزء منه في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٨٥.
[٦] في حلية الأولياء : فضربني.