أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٣٣ - الصلة الثانية في سرّ النيّة
أصوبكم عملا، و إنّما الإصابة خشية اللّه عزّ و جلّ، و النيّة الصادقة و الحسنة، ثمّ قال: الإبقاء على العمل حتّى يخلص أشدّ من العمل، و العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللّه عزّ و جلّ، و النيّة أفضل، ألا و إنّ النيّة هي العمل، ثمّ تلا قوله تعالى «كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ» يعني: على نيّته [١]. و من هنا يظهر الجمع بين الأصل الحاكم بأنّ: «أفضل الأعمال أحمزها» [٢]، و بين الأصل الحاكم بأنّ: «نيّة المؤمن خير من عمله»؛ لأنّ النيّة حيث كانت روح العمل و لبّه و مغزاه كانت أفضل منه، كما أنّها لا بدّ و أن تكون خالصة، إذ الرياء المتمشّي في العمل لا يتطرّق إليه إلّا من طريق النيّة فحسب، و تحصيل الإخلاص في النيّة أحمز و أصعب، لذا تكون أفضل من العمل.
و أمّا سرّ كون نيّة الكافر شرّا من عمله فلأنّ النيّة هي الأصل كما مرّ، و الأصل الذي به يتقوّم الفرع و عليه يتّكئ الغصن، و إليه يرجع ما عداه أهمّ، سواء في طرف الخير أو الشرّ.
و النيّة لمّا كانت أمرا قلبيّا لا يطّلع الناس عليها لا يتطرّق إليها الرياء و السمعة و نحو ذلك؛ لخروجها عن مرأى الناس و مسمعهم، و العمل لكونه مرئيّا أو مسموعا قابل لأن يتسرّب إليه الرياء، و لذا قد علّل في العلل حسبما رواه زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه- ٧- كون «نيّة المؤمن خير من عمله» [٣] بذلك، و لكنّ التأمّل فيما تقدّم يوضّح المراد، إذ الرياء لا يسري إلى العمل إلّا من طريق النيّة، و هي- أي:
النيّة- لمّا كانت مستورة عن أعين الناس و إسماعهم تنزّل بلباس العمل و تكتسيه، حتّى تصير مرئيّة أو مسموعة.
و لمّا كان العقل العمليّ- بما له من الشؤون و الآثار: كالإرادة و الإخلاص و نحو ذلك- نور يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان فإذا كان ذلك النور مضيئا بلا انطفاء و لا انخساف حصل الإيمان و الإخلاص، و إذا كان منخسفا بطوع الهوى حصل
[١] جامع أحاديث الشيعة: ج ١ ص ٣٦٠ و ٣٦٦.
[٢] مجمع البحرين: ج ٤ ص ١٦.
[٣] جامع أحاديث الشيعة: ج ١ ص ٣٦٠ و ٣٦٦.