أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٨٠ - الصلة الخامسة في سرّ القنوت و التشهّد و التسليم و

و عرج به، و كان مناجيا ربّه، غائبا عن الأرض و أهلها، بل عن ما سوى اللّه، فإذا أتمّ النجوى و اذن له الهبوط إلى الأرض و الحشر مع أهلها فهو حينذاك جديد الورود، و حديث اللقاء، فيتمشّى منه التسليم، و أمّا المصلّي الذي كان ساهيا عن صلاته، مشغول السرّ بالأرض و أهلها فلم يكن غائبا عنهم حتّى يحدث له اللقاء، و يصحّ منه التسليم، فلذا قال بعض الحافّين حول المعرفة ما معناه: كيف لا يستحي المصلّي الذي له الويل لسهوه عن صلاته في التسليم، و لفظه: و اعلم: أنّ السلام لا يصحّ من المصلّي إلّا أن يكون مناجيا ربّه، غائبا عن كلّ ما سوى اللّه.، فإذا أراد الانتقال من تلك الحالة الى حالة مشاهدة الأكوان و الجماعة سلّم عليهم سلام القادم؛ لغيبته عنهم في صلاته عند ربّه، فإن كان المصلّي لم يزل مع الأكوان و الجماعة فكيف يسلّم عليهم؟ فهلّا أستحيي هذا المصلّي حيث يري بسلامه أنّه كان عند اللّه! فسلام العارف من الصلاة؛ لانتقاله من حال الى حال، فيسلّم تسليمتين: تسليمة على من ينتقل عنه، و تسليمة على من قدم عليه، إلّا أن يكون عند اللّه في صلاته فلا يسلّم على من انتقل عنه؛ لأنّ اللّه هو السلام، فلا يسلّم عليه [١].

فتبيّن في هذه الصلة أمور:

الأوّل: أنّ النظام التكوينيّ يدور مدار الهداية البحتة، بخلاف التشريعيّ منه؛ لتطرّق الضلالة فيه؛ لتمرّد بعض الناس عمّا هداه اللّه إليه.

الثاني: أنّ القنوت ممثّل لما عليه التكوين من الذلّة و الضراعة للّه سبحانه، و أنّ القانت غير خائب؛ لأنّ المسؤول جواد لا يخيّب سائله.

الثالث: أنّ رسول اللّه- ٦- كان يقنت في صلواته كلّها، و أنّ الصلاة الفاقدة للقنوت غير كاملة.

الرابع: أنّ التشهّد قد تمثّل أصله في المعراج، و الهم الرسول- صلّى اللّه عليه‌


[١] الفتوحات المكّيّة: ج ١ ص ٤٣٢.