أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٧٦ - الصلة الخامسة في سرّ القنوت و التشهّد و التسليم و

وقار المرء المؤمن الخاشع لربّه، و لا تطيش من سجودك مبادرا إلى القيام كما يطيش هؤلاء الأقشاب في صلاتهم» [١].

إنّ الصلاة الاعتباريّة المعهودة تحكي واقعيّتها المعنيّة الّتي لها آثار جمّة، فتكون مكرّمة، و كرامتها تقتضي توقيرها، و الجلوس مطمئنا حافظ لتوقيرها، فلجلوس تأويل يستظهر عند ظهور واقعيّة الصلاة، و هو يوم يطوي فيه بساط الاعتبار كطيّ السجلّ.

و أمّا الذكر حال القيام من الجلوس فهو: بحول اللّه تعالى و قوّته أقوم و أقعد [٢]، و سرّه هو: أنّ النظام العينيّ التكوينيّ الذي به يعيش الإنسان المتفكّر المختار منزّه عن دم إفراط التفويض، و مبرّأ عن روث تفريط الجبر، بل هو لبن خالص سائغ للشاربين، لكونه منزلة بين تينك المنزلتين المشؤومتين، فالمفوّض يقول: لا حول و لا قوّة للّه فيما يفعله الإنسان في شئونه الإراديّة، و الجبريّ يقول: لا حول و لا قوّة إلّا للّه في ذلك، و القائل بالاختيار، المصون عن ذينك المحذورين يقول: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، فهو يثبت للإنسان حولا بحول اللّه تعالى، و قوّة بقوّته، فالذكر الذي يأتيه المصلّي حين النهوض إلى القيام بعد الجلوس حاو لأصل كلّيّ متحقّق في جميع شئونه الإراديّة بلا خصيصة له بحال الصلاة، كما لا اختصاص له بحال القيام حسبما أخذ في متن الذكر أيضا، إذ قعود الإنسان أيضا بحول اللّه و قوّته، كما أنّ قيامه بذلك، و ذلك السرّ التكوينيّ يتجلّى يوم القيامة الّتي يظهر فيها ما هو الباطن، و هنالك يتّضح بطلان طرفي المتوسّط من الجبر و التفويض، و كون المتوسّط بينهما حقّا.

و هذا الذي قدّمناه هو المستفاد من قول مولانا الصادق ٧: «كان أمير المؤمنين- ٧- يبرأ من القدريّة في كلّ ركعة و بقول: بحول اللّه و قوّته أقوم‌


[١] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٢٨٦.

[٢] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٢٩٣- ٢٩٥.