أصول الفقه- ط دفتر تبلیغات اسلامی - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٩٠
وأما التزاحم فله قواعد أخرى تتصل بالحكم نفسه ولا ترتبط بالسند أو الدلالة. ولا ينبغي ان يخلو كتابنا من الاشارة إليها. وهذه خير مناسبة لذكرها، فنقول: ٤ - تعادل وتراجيح المتزاحمين: لا شك في انه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية، فان الحكم فيهما هو التخيير. وهذا أمر محل اتفاق، وان وقع الخلاف في تعادل المتعارضين انه يقتضي التساقط أو التخيير على ما سيأتي. وفي الحقيقة ان هذا التخيير إنما يحكم به العقل، والمراد به العقل العملي. بيان ذلك: إنه بعد فرض عدم امكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين وعدم جواز تركهما معا، ولا مرجح لاحدهما على الآخر حسب الفرض ويستحيل الترجيح بلا مرجح - فلا مناص من أن يترك الامر إلى اختيار المكلف نفسه إذ يستحيل بقاء التكليف الفعلي في كل منهما، ولا موجب لسقوط التكليف فيهما معا. وهذا الحكم العقلي مما تطابقت عليه آراء العقلاء. ومن هذا الحكم العقلي يستكشف حكم الشرع على طبق هذا الحكم العقلي كسائر الاحكام العقلية القطعية، لان هذا من باب المستقلات العقلية التي تبتني على الملازمات العقلية المحضة. مثاله: إذا دار الامر بين انقاذ غريقين متساويين من جميع الجهات لا ترجيح لاحدهما على الآخر شرعا من جهة وجوب الانقاذ - فانه لا مناص للمكلف من أن يفعل أحدهما ويترك الآخر، فهو على التخيير عقلا بينهما المستكشف منه رضى الشارع بذلك وموافقته على التخيير. إذا عرفت ذلك، فيكون من المهم جدا أن نعرف ما هي المرجحات في باب التزاحم. ومن الواضح إنه لا بد أن تنتهي كلها إلى أهمية أحد الحكمين عند الشارع، فالاهم عنده هو الارجح في التقديم. ولما كانت الاهمية تختلف جهتها ومنشأها، فلا بد من بيان تلك الجهات وهي تستكشف بأمور نذكرها