أصول الفقه- ط دفتر تبلیغات اسلامی - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٢٠
والجواب: إنه قد أشرنا في الحاشية (م ١ ص ٢٢٠) إلى ما يفند الشق الاول من هذه الدعوة الثانية، إذ قلنا: الحق ان معنى استحقاق المدح ليس الا استحقاق الثواب، ومعنى استحقاق الذم ليس الا استحقاق العقاب، لا انهما شيئان أحدهما يستلزم الآخر، لان حقيقة المدح والمقصود منه هو المجازاة بالخير لا المدح باللسان، وحقيقة الذم والمقصود منه هو المجازاة بالشر لا الذم باللسان. وهذا المعنى هو الذي يحكم به العقل، ولذا قال المحققون من الفلاسفة: (ان مدح الشارع ثوابه وذمه عقابه). وأرادوا هذا المعنى. بل بالنسبة إلى الله تعالى لا معنى لفرض استحقاق المدح والذم اللسانيين عنده، بل ليست مجازاته بالخير إلا الثواب وليست مجازاته بالشر الا العقاب. وأما الشق الثاني من هذه الدعوى فالجواب عنه: إنه لما كان المفروض ان المدح والذم من القضايا المشهورات التي تتطابق عليها آراء العقلاء كافة فلا بد ان يفرض فيه أن يكون صالحا لدعوة كل واحد من الناس. ومن هنا نقول: انه مع هذا الفرض يستحيل توجيه دعوة مولوية من الله تعالى ثانيا لاستحالة جعل الداعي مع فرض وجود ما يصلح للدعوة عند المكلف إلا من باب التأكيد ولفت النظر. ولذا ذهبنا هناك إلى أن الاوامر الشرعية الواردة في موارد حكم العقل مثل وجوب الطاعة ونحوها يستحيل فيها أن تكون أوامر تأسيسية (أي مولوية)، بل هي أوامر تأكيدية (اي ارشادية). واما ان هذا الادراك لا يدعو إلا الفذ من الناس فقد يكون صحيحا ولكن لا يضر في مقصودنا، لانه لا نقصد من كون حكم العقل داعيا انه داع بالفعل لكل أحد، بل انما نقصد - وهو النافع لنا - انه صالح للدعوة. وهذا شأن كل داع حتى الاوامر المولوية، فإنه لا يترقب منها إلا صلاحيتها للدعوة لا فعلية الدعوة، لانه ليس قوام كون الامر أمرا من قبل الشارع أو من قبل غيره فعلية دعوته لجميع المكلفين، بل الامر في حقيقته ليس هو إلا جعل ما يصلح أن يكون داعيا، يعني ليس المجعول في الامر فعلية الدعوة. وعليه، فلا يضر في كونه صالحا للدعوة عدم امتثال أكثر الناس.