أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه - محمد بن إسحاق الفاكهي - الصفحة ١٥٠ - ذكر البرك التي عمرت بمكة وتفسير أمرها
فسقيّة [١] من رخام بين زمزم والركن والمقام.
فلما أن جرت وظهر ماؤها أمر القسري بجزر فنحرت بمكة ، وقسمت بين الناس ، وعمل طعاما فدعا إليه الناس ، ثم أمر صائحا ، فصاح : الصلاة جامعة ، وأمر بالمنبر ، فوضع في وجه الكعبة ، ثم صعده فحمد الله ـ تعالى ـ وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، احمدوا الله ، وادعوه لأمير المؤمنين ، الذي سقاكم الماء العذب الزلال [النقاخ][٢] ، بعد الماء الملح الأجاج ، الذي لا يشرب إلا صبرا [٣].
قال الشاعر يذكر الماء النقاخ العذب :
| فمنهنّ ما يسقى بعذب مبرد | نقاخ ، فتلكم طافت واستقرّت | |
| ومنهنّ ما يسقى بأخضر آجن | طريف فلو لا خشية الله برّت [٤] |
يريد : أعلنت وأنارت. وقال العرجي [٥] ـ واسمه عبد الله بن عمرو بن
[١] جمعها : فساقي ، وهي : الحوض. وهي لفظة مولّدة. تاج العروس ٧ / ٤٩. المنجد ص : ٥٨٣.
[٢] في الأصل (القناح) وهو تصحيف. ومعنى النقاخ : الماء البارد العذب الصافي الخالص ، الذي يكاد ينقخ الفؤاد ببرده. وقيل : هو الماء الكثير ينبطه الرجل في الموضع الذي لا ماء فيه. اللسان ٣ / ٦٤.
[٣] وقد وردت هذه القصة بألفاظ أخرى تدل على جبروت وطغيان ، وزندقة ... ولعلّ القسري بريء من مثل هذه ـ والعلم عند الله ـ لأن الرجل كان فيه نصب وعداء لأهل البيت ، فتناولته ألسنة الشيعة من الرواة ، فنسبوا إليه أشياء قبيحة ، بل طعنوا في نسبه ، ومرؤته وخلقه ، وإذا أردت أن تعرف ما قالوه فيه فارجع إلى كتاب الأغاني ، والعقد الفريد ، والرجل مع هناته كانت له مواقف خدم فيها الإسلام ، في قمعه لأهل البدع والضلال ، وغيرته العربية مشهورة حتى دعته لمنع الغناء ، والتفرقة بين الرجال والنساء في الطواف ، وغير ذلك. وقد أورد ابن كثير بعض ما يستقبح من أخباره ثم قال (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه ، فإنه كان قائما في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم ، وغيره من أهل الإلحاد ، وقد نسب إليه صاحب العقد أشياء لا تصح ، لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ، ومغالاة في أهل البيت ، وربّما لا يفهم أحد من كلامه ما فيه من التشيّع ، وقد أغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ وغيره) البداية والنهاية ١٠ / ٢١.
[٤] الآجن : الماء المتغير الطعم واللون ، لسان العرب ١٣ / ٨.
[٥] تقدّم التعريف به في الخبر (١٦٨٦).