الأجوبة النجفية في الرد على الفتاوي الوهابية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٥٤ - الأمر الثاني في شد الرحال والسفر لزيارة القبور
لا تجعلوا بيوتكم قبوراً أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها[١]. ولكن يحتمل أن المراد لا تجعلوا بيوتكم مدفناً لكم أو لا تجعلوها خالية وتجتمعوا عند قبري أي لا تجعلوها موحشة أو ضيقة مظلمة أو غير ذلك من المعاني لكنا لسنا بصدد بيان هذه الفقرة. واحتمل السبكي أن يكون المراد (لا تتخذوا له وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلا فيه)[٢] كما ترى كثيراً من المشاهد لزيارتها في يوم معين كالعيد وزيارة قبره ليس لها يوم بعينه؛ بل أي يوم كان ثم احتمل أيضاً أن يراد أن يجعل كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد بل لا يأتي إلا للزيارة والسلام والدعاء.
وهذا المعنى مما أشرنا إليه أولًا وجزم صاحب الصارم المنكي[٣] فيه ببطلان تأويل المنذري، وإنّه مناقض لمقصود الحديث ومخالف له، وإنّ التأويل الثاني أيضاً باطل قال: والثالث متضمن الحق وغيره، ثم ذكر عن شيخ الإسلام في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) فيما يتعلق بهذا الحديث أموراً:-
الأول: (إن قبر رسول الله (ص) أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيداً فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان)[٤] وفيه أن الأولوية ممنوعة إذ لعل ذلك من خواص قبره الشريف ولا سيما لو قلنا: بأن المراد في لا تتخذوا قبري عيداً أن لا يجعلوه مجتمعاً عارٍ عن الآداب والوقار.
الثاني: (إن قوله (ص): لا تتخذوا بيُوتكم قبوراً)[٥] أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت،
[١] خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى/ الشيخ السمهودي: ٥٣
[٢] المصدر نفسه: ٥٣
[٣] هو كتاب( الصارم المنكي في الرد على السبكي) تأليف الحافظ أبو عبد الله المقدسي الحنبلي
[٤] اقتضاء الصراط المستقيم/ ابن تيمية: ٣٢٣
[٥] ينظر: صحيح البخاري: ١/ ٨٧.