المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٧٢ - باب الحلق
أحصر بالحديبية مع أصحابه فأمرهم بالحلق بعد بلوغ الهدايا محلها وكره لهم تأخير ذلك حتى ذكر ذلك لام سلمة رضى الله عنها فقالت ابدأ بنفسك يا رسول الله فانهم يظنون أن في نفسك رجاء الوصول إلى البيت للحال فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فلما رأوا ذلك منه بادروا إلى الحلق ولانه لو لم يحصر لكان يتحلل بالحلق عند أداء الاعمال فكذلكبعد الاحصار ينبغى أن يتحلل بالحلق لقدرته على أن يأتي به وان عجز عن سائر الافعال وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا الحلق انما يكون نسكا بعد أداء الافعال فأما قبل أداء الافعال فهو جناية فإذا تحقق عجزه عن ترتيب الحلق على سائر الافعال لا يلزمه أن يأتي به وانما تحلله بالهدى هنا والدليل عليه أن الله تعالى نهى المحصر عن الحلق حتى يبلغ الهدى محله بقوله تعالى ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله فذلك دليل الاباحة بعد بلوغ الهدى محله لا دليل الوجوب فأما حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية فقد ذكر أبو بكر الرازي ان عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى انما لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل أما إذا أحصر في الحرم يحلق لان الحلق عندهما مؤقت بالحرم ورسول الله صلى الله عليه وسلم انما كان محصرا بالحديبية وبعض الحديبية من الحرم على ما روى ان مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل ومصلاه في الحرم فانما حلق في الحرم وبه نقول على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما أمرهم بالحلق ليحقق به عزمهم على الانصراف ويأمن المشركون من جانبهم ولا يشتغلون بمكيدة أخرى بعد الصلح (قال) وليس على الحاج إذا قصر أن يأخذ شيئا من لحيته أو شاربه أو أظفاره أو يتنور لان التقصير قائم مقام الحلق ولو أراد الحلق لم يكن عليه ذلك في لحيته ولا في شاربه فكذلك التقصير وان فعل لم يضره لانه جاء أوان التحلل وهذا كله مما يحصل به التحلل لانه من جملة قضاء التفث (قال) وان حلق المحرم رأس حلال تصدق بشئ عندنا.
وقال الشافعي رضى الله عنه لا شئ عليه لان المحرم ممنوع عن ازالة ما ينمو من البدن عن نفسه لما فيه من معنى الراحة والزينة له ولا يحصل شئ من ذلك بحلق رأس الحلال فلا يلزمه به شئ ألا ترى أن الحلال لو حلق بنفسه لم يلزمه شئ ولكنا نقول ان ازالة ما ينمو من بدن الآدمى من محظورات الاحرام فيكون المحرم ممنوعا عن مباشرة ذلك من بدن غيره كما يكون ممنوعا من مباشرته في نفسه بمنزلة قتل الصيد فانه جان في قتل صيد غيره كما يكون جانيا