إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٩ - القسم الأول إظهار نفس العمل
عليه بكل الهمة،و لا يخطر بباله أمر الشيطان.فإنه إذا اشتغل بذلك بعد معرفة عداوته، ثم خطر الشيطان له تنبه له:و عند التنبه يشتغل بدفعه.و الاشتغال بذكر اللّه لا يمنع من التيقظ عند نزغة الشيطان.بل الرجل ينام و هو خائف من أن يفوته مهم عند طلوع الصبح،فيلزم نفسه الحذر ،و ينام على أن يتنبه في ذلك الوقت،فيتنبه في الليل مرات قبل أوانه،لما أسكن في قلبه من الحذر.مع أنه بالنوم غافل عنه.فاشتغاله بذكر اللّه كيف يمنع تنبهه!و مثل هذا القلب هو الذي يقوى على دفع العدو،إذا كان اشتغاله بمجرد ذكر اللّه تعالى قد أمات منه الهوى،و أحيا فيه نور العقل و العلم،و أماط عنه ظلمة الشهوات فأهل البصيرة أشعروا قلوبهم عداوة الشيطان و ترصده،و ألزموها الحذر،ثم لم يشتغلوا بذكره بل بذكر اللّه،و دفعوا بالذكر شر العدو،و استضاءوا بنور الذكر حتى صرفوا خواطر العدو.فمثال القلب مثال بئر أريد تطهيرها من الماء القذر ليتفجر منها الماء الصافي.فالمشتغل بذكر الشيطان قد ترك فيها الماء القذر.و الذي جمع بين ذكر الشيطان و ذكر اللّه قد نزح الماء القذر من جانب،و لكنه تركه جاريا إليها من جانب آخر،فيطول تعبه،و لا تجف البئر من الماء القذر.و البصير هو الذي جعل لمجرى الماء القذر سدا،و ملأها بالماء الصافي فإذا جاء الماء القذر دفعه بالسكر و السد من غير كلفة،و مئونة،و زيادة تعب
بيان
الرخصة في قصد إظهار الطاعات
اعلم أن في الإسرار للأعمال فائدة الإخلاص،و النجاة من الرياء.و في الإظهار فائدة الاقتداء و ترغيب الناس في الخير.و لكن فيه آفة الرياء.قال الحسن:قد علم المسلمون أن السر أحرز العملين.و لكن في الإظهار أيضا فائدة.و لذلك أثنى اللّه تعالى على السر و العلانية فقال إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [١]
و الإظهار قسمان،أحدهما في نفس العمل،و الآخر بالتحدث بما عمل
القسم الأول:إظهار نفس العمل
،كالصدقة في الملإ لترغيب الناس فيها.كما روى عن الأنصاري
[١] البقرة:٢٧١