عبقرية مبكرة لأطفالنا - توفيق بوخضر - الصفحة ١٩ - مدخل
الحالة قد ابتعد عن مصدر الفيوضات الكمالية إلا إذا لم يجعل من عملية الجماع عملية بهيمية بحتة ، وجعلها مقترنة بذكر الله محققة لإرادته فلا تخرج من حيز استقبال الفيض حينئذ.
فقد قال تعالى : « واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً » [١] فإذا شارك الشيطان ـ وهو الجهل والظلام ـ الرجل في نطفته فكيف يمكن الحصول على العقل والنور في النطفة ؟وقد ذكر فخر العلماء في كتابه ( جنود العقل والجهل ) ما هذا نصه : « ان حقيقة الجهل الكلي بالمقارنة مع العقل الكلي عبارة عن الوهم الذي هو العالم الكبير الذي يميل بالنفس إلى الشر والكذب والخطأ والفساد ، والأوهام الجزئية في العوالم النازلة هي نازلة تلك الحقيقة الباطلة ، ولعل الحديث المشهور للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إن الشيطان يجري مجرى الدم في ابن آدم » إنما هو إحاطة الوهم الكلي بالأوهام الجزئية ، أو إشارة إلى الأوهام الجزئية إنما هي نتائج ومظاهر إبليس الكبير ».فإذا تقرر هذا نقول : إن العقل والجهل أو النور والظلام أمران متقابلان لا يجتمعان في وقت واحد ، وحقيقة كل وجود منهما طاردة للوجود الآخر مانعة من تحقق ثبوته ، ووجود أحدهما راجع إلى وجود علته التابعة لإرادة الفاعل المختار في فعله ، وحيث إن المعلول لا اختيار له في تحققه وإن وجوده قهري له بعد ثبوت المقدمات والعلل الواجبة لوجوبه ، فيكون الطفل في بداية تكوينه مسلوب القدرة والاختيار ، وإن العلل المباشرة لوجوده هي والديه فيكون الأمر راجعاً لهما متوقفاً عليهما.
[١] الإسراء : ٦٤.