توضيح القوانين - القمي، محمد حسين بن محمد - الصفحة ١٩١ - فى صيغ العموم
العشرة و ما ضربت العشرة يعنى قوله تعالى وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ* انما هو نظير ضربت العشرة اذا كان المراد الكل الافرادى و نظير ما ضربت العشرة اذا كان المراد الكل المجموعى فتدبر قوله (دام ظله العالى) و سيجيء ان العموم قد يستفاد من جهة المقام و ذلك كقوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ و نحوه و سيأتي وجهه انشاء الله تعالى
فى صيغ العموم
قوله (دام ظله العالى) ما يدعى كونها للعموم اه لا يخفى ان تانيث الضمير فى كونها باعتبار معنى الموصول و تذكير لفظ موضوعا باعتبار لفظه و المعنى انهم اختلفوا فى انه هل للعموم صيغة يدل عليه بالوضع فى لغة العرب ام لا فاثبته قوم و ذهبوا الى ان للعموم صيغا يدل عليه بالوضع و ان استعمالها فى الخصوص خلاف ما وضع له و نفاه جماعة و ذهبوا الى ان الالفاظ المدعى وضعها للعموم موضوعة للخصوص و استعمالها فى العموم مجاز و ذهب طائفة الى انها مشتركة بينهما لفظا و قيل بالتوقف و سيأتي ادلة الاقوال و التحقيق ما هو الحق و الجواب عما عداه قوله (دام ظله العالى) فان العرف يفهمون اه لا يخفى ان مجرد فهم العرف العموم من الامثلة لا يجدى نفعا فيما نحن بسدد اثباته عن كون الالفاظ حقيقة للعموم لغة غاية الامر ثبوت الحقيقة العرفية و هو غير اللغوية اللهم إلّا ان يتمسك باصالة عدم النقل و لعل هذا هو مراد الاستاد (دام ظله العالى) فلا تغفل قوله (دام ظله العالى) و لقبضه ابن الزبعرى بكسر الزاء المعجمة و فتح الباء الموحدة من تحت و الراء المهملة الرجل السيئ الخلق و قد يطلق على الرجل الكثير شعر الوجه و الحاجبين و اللحية و قد يقال الزبعرى بفتح الزاء المعجمة و اسكان الباء و فتح العين المهملة و آخره ياء مشددة هكذا نقل بعضهم قوله (دام ظله العالى) فانما هو خروج عن الحقيقة لنكتة يمكن ان يكون النكتة فى ذلك هى تنزيل كلامه تعالى و مطابقته على وفق اعتقاد عبدة الاصنام حيث كانوا يزعمون انه تعالى مثل ما يعبدونهم من الاصنام فى عدم الشعور و الادراك و لهذا اذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن كما نطق به كلامه فى سورة الفرقان و يمكن ان يكون النكتة فى الخروج عن الحقيقة الى المجاز هى اشارة الى ان فعله تعالى من بناء السماء و نحوه انما هو بمقتضى ذاته من غير متابعة شيء آخر بمعنى ان ذاته تعالى من حيث هى منشأ لوجود الاشياء من غير احتياجه الى شيء خارج عنها من العقل و الادراك اذ ما يتصوّر من العلم و الادراك هو عبارة عن عين ذاته تعالى و ليس شيء منهما خارجا عنها بخلاف ساير اولى الالباب فان افعالهم بمعنى متابعة عقولهم الخارجة و ادراكهم الحادثة و لهذا اعدل عن كلمة ما بمن بعد تلك الآية بعده اى حيث قال قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها و الحاصل انه تعالى حيث كان فى سدد تعداد افعاله عن ذاته المقدمة بكلمة ما ليكون اشارة الى ان افعاله بمجرّد مقتضى ذاته لا غير و حيث وصل الى تعداد افعال عباده عبّر عن ذاتهم بكلمة من ليكون اشارة الى ان افعالهم بمقتضى [١] عقولهم اذا فعلوا ما يصلح بحالهم و بمقتضى عدم متابعة عقولهم اذا فعلوا ما لا يصلح بحالهم كذا افاده فى الدّرس فليتدبر هذا و قد كتب بعد ذلك هنا حاشية و هى هذه و لعل النكتة فى قوله تعالى وَ السَّماءِ وَ ما بَناها و الفقرات اللاحقة اما المماشاة مع الكفّار و المواقعة معهم حيث قالوا و ما الرحمن أ نسجد لما تامرنا و قولهم ذلك لمقايستهم ايّاه سبحانه بآلهتهم و ذلك تنبيه على حمقهم و نفثهم حيث يعبدون الجمادات و اما الاشارة الى ان السماء و الارض و النفس بصفاتها و احوالها و ذواتها مخلوقات غيرتيه ليشهد بعظم خالقها و كونه من اعلى مرتبة العلم و القدرة فلا يحتاج فى التعبير عنه الى لفظ دال على كونه ذا علم و ادراك و اما الاشارة الى ان صفاته تعالى عين ذاته فلا حاجة الى ان له فى افعاله الى صفة زائدة على ذاته و لذلك عبّر فى جواب القسم بكلمة من دون ما فقال قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها اشارة الى ان الشركية و الجنية نظر انما هما بسبب متابعة العقل و مخالفته فلا يجرى ذلك فى الخالق تعالى فنبه بالتعبير بمن على عدم احتياجه تعالى الى غيره و احتياجهم الى الغير و يمكن ان يكون الاشارة الى الصفة الى الخالقية و الصّانعية لا الى الذات ليكون بمنزلة دعوى الشيء ببيّنة و برهان فان ادراك علوّ مرتبته الذات من حيث هى ليس وظيفة كل احد بخلاف ملاحظة مرتبة الصفات و خصوصا صفات الافعال المسوسة للعامة و اما احتمال كون كلمة ما مصدرية فهو لا يلائم قوله تعالى فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها مع
[١] متابعة