الغرر و الدرر فى سيرة خير البشر(ص) - عز الدين محمد بن جماعة - الصفحة ١٢ - ٥- نشأته
الأثر الكبير في بناء شخصيته، و ملكته، فخلق ذلك عاملا فاعلا في نبوغه، و تقدّمه على أقرانه.
أضف إلى ذلك الاستعداد الفطريّ الذي كان يتمتع به، مع ما حباه اللّه تعالى به من العناية و التوفيق، التي لا يتمّ بغيرها التسديد، فرغب إلى العلم و تحصيله، و محبة أهله، بعد أن ذاق حلاوته، حتى بلغ من علوّ همّته ما بلغ، فكان لا ينظر إلى شيء إلا و أحبّ أن يقف على أصله، و يشارك فيه، و رحم اللّه تعالى الشيخ الزاهد محمد بن الفضل البلخي حينما قال: «من ذاق حلاوة العلم، لا يصبر عنه» [١].
فنشأ مشتغلا بالعلم، و سمع الكثير على جماعة من أكابر العلماء، فسمع من القلانسيّ، و العرضيّ، و التبانيّ، و جدّه عبد العزيز، و غيرهم، و أحضر على الميدوميّ، و أجاز له جماعة من الشّاميين، و المصريين بعناية الشيخ زين الدين العراقيّ، و تفقّه بالشيخ سراج الدين البلقيني.
ثم مال إلى العلوم العقلية، فقرأ على علماء المعقول في عصره، كالسيراميّ، و العزّ الرازيّ، و ابن خلدون، حتى أتقن هذا العلم، و صار يشار إليه بالبنان، و تقصده الطلبة من كل حدب و صوب، و صار أمة وحده فيه. و قد أقبل في أواخر حياته على النظر في كتب الحديث، فاستعار من ابن العديم «تخريج أحاديث الرافعي الكبير» للشيخ ابن الملقّن، و هو في سبع مجلدات، فمرّ عليه كلّه، و اختصره، و فرغ منه
[١] «طبقات الصوفية» للسّلمي (٢١٥).