الشريف الرضي - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٤ - مزاياه و غرائزه
مزاياه و غرائزه
توفي الشريف و هو ابن سبع و أربعين، توفي و هو على أبواب الكهولة لم توهن مننه الشيخوخة، و لا أطفأ لهبه الهرم، و انطوى عمره و هو في أدوار الشباب. و للشباب نزعات و للشباب ميول و مجازفات.
فكانت تلك الروح تترقرق في سائر مظاهره النفسية. و الغرائز و الملكات لها اتجاهات و انفعالات مختلفة على نسبة اختلاف أدوار الحياة في المضاء و الأنفاذ، فأن الأخلاق تهرم بهرم الأبدان، فالحفاظ العجوز و الشهامة و الأنفة و الوفاء و الأباء إذا هرمن لا يشبهن أنفسهن، و هن في دور الشبيبة. فلقد كان الشريف شابا في جميع مزاياه و غرائزه. و فيما تقرأه من صور حياته في هذه الترجمة تعرف جميع مزاياه و ملكاته، و ما نثبته في هذا الفصل أشبه ما يكون بتلخيص لذلك التفصيل.
لقد كان الشريف أبيا أنفا غيورا، ذا عفاف و حفاظ طموحا للمعالي، ففي ديوان أخيه المرتضى من شعره قوله:
لقد كنت أبغي رتبة بعد رتبة # فآنف من أني أفوز بها وحدي
حفاظا على القربى الروم و غيرة # على الحسب الداني و بقيا على المجد
لم يدنسه مأثم و لم يكن زهده في الدنيا و نكفه عن الترف و الترهل من قبيل الرهبنة و التبتل، و إنما كان يعمد لذلك لينطلق من ميعان الحضارة و يطبع نفسه على الجلد و يحملها على القناعة بشظف العيش، حتى تهون عليه موارد المهالك و أعنات الخطوب. و كان يكره الخلاعة و الخلعاء و المجانين، و لا تطاوعه نفسه على التزلف، و يسمت سمت الماجدين السراة و خلة الوفاء. و عزة النفس أظهر مزايا الشريف و أقواها في نفسه، أما شواهد عزة نفسه فلا تحصيها هذه الوريقات،