الشريف الرضي - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٣٨ - إمارة الحج
و في الحجيج مطمع و سلب أموال و نشب، فهو مرعى الغزاة و أكلة القطاع، و فيه تروج سوق البسالة، و تغلو سلع التضحية و تنفق بضاعة الفتوة و تستمجد البطولة، فكان تردد الشريف في ذلك الطريق في أعوام كثيرة من عمره، يوجب أن تتولد في نفسه مزايا النخوة، و الذب عن كرامة المعاصم، و تزكو فيها الفحولة و خيلاء الشجعان، و ترتاح لعجيج الخيل تحمى الذمار من الذمائر، و تستنغم مطربة لاصطكاك القنا و وقع الحديد، و قد نفخت تلك الأحوال روحا في شعر الشريف و تيمته إلى مواقعتها، و ملأت ديوانه بوصفها، و صيرته بحق شاعر الحرب، شاعر النخوة، شاعر الفحولة، شاعر الحديد و الدم، و لو أردنا أن نورد شاهدا على ذلك من شعر الشريف لأوردنا شعره كله.
و لا تنكشف الكرب كلها في البوادي و القفار، و لا يستطيع السيف وحده أن يحمي القطار، بل لا بد من الموفاة بعد ذلك إلى المصانعات، و شد الصلات بالأمراء و السراة المالكين على نواصي البوادي، المتنفذين بأقوامهم في مجاهلها و المصرفين لمقدراتها، و لا بد للشريف أن يعمل هذا التدبير.
و مودته (لابن ليلى) كانت من هذه الناحية، ثم اطردت و استدرجت الشريف إلى أن كان يفشي إليه بسرائره و أمانيه و خواطره و ما يجيش في نفسه و كان يقع ذلك في جو ملائم، و كأنما ظفر كل واحد منهما بصاحبه الذي لا يستغني عنه، و وزيره إلى الغاية التي يطمح إليها، فمن هذا الأعوان و الفرسان و لذاك الخلافة و السلطان و فيهما المزايا متوفرة.